الطبراني
14
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ؛ أي ولكلّ الفريقين من الكافرين والمؤمنين منازل مما عملوا ، وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 19 ) ؛ أي لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد في سيّئاتهم . و قوله تعالى : وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ ؛ أي وأنذرهم يوم يعرض كفّار مكّة على النار ويقال لهم : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ؛ أي أذهبتم أموالكم ، وقيل : قوّتكم وشبابكم في لذاتكم في الدّنيا ، لا في طلب رضى اللّه ، بل في وجوه محرّمة ، وانتقصتم بطيّباتكم في الدّنيا ، وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها ، ( ف ) ليس لكم ، فَالْيَوْمَ ، ههنا حسنات ، وإنما تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ؛ أي الهوان الشديد باستكباركم في الأرض بالباطل ، وخروجكم من أمر اللّه تعالى إلى المعصية . وعن ابن عبّاس : أنّ عمر رضي اللّه عنه قال للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : ( أدع اللّه أن يوسّع على أمّتك ، فقد وسّع اللّه على فارس والرّوم وهم لا يعبدون اللّه تعالى ) فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ أوفي شكّ أنت يا ابن الخطّاب ؟ ! أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في حياتهم الدّنيا ] « 1 » . وروي : أنّ عمر رضي اللّه عنه قال : ( دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بيت حفصة وإنّه لمضطجع على حصير ، وإنّ بعضه لعلى التّراب ، وتحت رأسه وسادة محشوّة ليفا ، فسلّمت ثمّ جلست ، فقلت : يا رسول اللّه ؛ أنت نبيّ اللّه وصفوته وخيرته من خلقه ، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الدّيباج والحرير ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ يا عمر ؛ إنّ أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم وهي وشيكة الانقطاع ، وإنّا أخّرت لنا طيّباتنا ] ) « 2 » . وعن سالم بن عبد اللّه بن عمر كان يقول : ( واللّه ما نعبأ بلذات العيش بأن نأمر بصغار المعزى فتسمط لنا ، ونأمر بلباب الحنطة فيخبز لنا ، ونأمر بالنّبيذ فينبذ لنا ، حتّى إذا صار مثل عين يعقوب أكلنا هذا وشربنا هذا ، ولكنّا أردنا أن نستبقي طيّباتنا
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصحيح : كتاب المظالم : باب الغرفة والعلية : الحديث ( 2468 ) . ومسلم في الصحيح : كتاب الطلاق : باب في الولاء : الحديث ( 34 و 35 / 1479 ) . ( 2 ) أخرجه الحاكم في المستدرك : كتاب الأطعمة : باب ذكر معيشة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : الحديث ( 7154 ) ، وقال : هذا حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه .