الطبراني

8

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

والصغائر والكبائر من الذّنوب تسمّى ظلما ؛ ولذلك قال موسى إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي « 1 » . ويقال : إن قوله ( إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ) استثناء منقطع ، ومعناه : لكن من ظلم ، فإنه يخافني إلّا أن يتوب ويعمل صالحا ، فإنّي أغفر له وأرحمه . والمعنى : إلّا من ظلم نفسه بالمعصية ( ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً ) أي توبة وندما ( بَعْدَ سُوءٍ ) عمله ( فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) كأنه قال : لا يخاف لديّ المرسلون الأنبياء والتّائبون ، وقال بعضهم : ( إِلَّا ) هاهنا بمعنى ( ولا ) كأنه قال : ( لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ ) « 2 » . قوله تعالى : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ؛ فيه بيان أنّ اللّه تعالى أعطاه آية أخرى في ذلك المكان ، ومعنى ( تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) أي بيضاء لها شعاع من غير برص « 3 » ، والجيب جيب القميص . وقوله تعالى : فِي تِسْعِ آياتٍ ؛ أظهرها بين الآيتين ، والآيات التّسع : قلب العصاة حيّة ، وجعل يده بيضاء ، وما أصاب فرعون من الجدب في بواديهم ، ونقص الثّمرات في مزارعهم ، وإرسال الطّوفان والجراد والقمّل والضفادع والدّم ، فهذه الآيات التّسع ، قوله تعالى : إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 12 ) ؛ أي خارجين عن طاعة اللّه . قوله تعالى : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا ؛ أي فلمّا جاءت فرعون وقومه الآيات التسع ، مُبْصِرَةً ؛ أي بيّنة واضحة ، قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 13 ) ؛ كذبوا بالآيات التسع كلّها ونسبوا موسى إلى السّحر ، وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ؛ أي جحدوا بألسنتهم وأنكروا تلك الآيات ، وعلموا بقلوبهم أنّ تلك الآيات ليست من جنس أفعال السّحر ، وأنّها من اللّه تعالى ، أي علموا يقينا أنّها من عند اللّه لكن جحدوا بها تجبّرا وتكبّرا وذلك قوله تعالى : ظُلْماً وَعُلُوًّا ؛ أي شركا وتكبّرا عن أن يؤمنوا ، فَانْظُرْ ؛ يا محمّد ، كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 14 ) ؛ في الأرض بالمعاصي ، كيف أهلكهم اللّه بالغرق في اليمّ .

--> ( 1 ) القصص / 16 . ( 2 ) ينظر : إعراب القرآن للنحاس : ج 3 ص 137 . ( 3 ) ( غير ) سقطت من المخطوط .