الطبراني

10

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

الظاهر بالنهار في سربه ؛ أي في طريقه وتصرّفه في حوائجه ، وعن قطرب في : ( مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ : أي ظاهر ، وسارب بالنّهار : أي مستتر ) يقال : سرب الوحش إذا دخل في كناسه ، والأول أبين وأبلغ في وصف عالم الغيب . قوله تعالى : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ؛ أي للإنسان مساويات ، والكناية في قوله تعالى ( لَهُ ) ردّ على من أسرّ القول ومن جهر به وهم الآدميّون . وقال بعضهم : ( لَهُ مُعَقِّباتٌ ) أي للّه تعالى ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار ، فإذا صعدت ملائكة الليل أعقبتها ملائكة النّهار ، وإذا صعدت ملائكة النهار أعقبتها ملائكة الليل . وقوله تعالى : ( مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ) يعني من قدّام هذا المستخفي بالليل والسّارب بالنهار ، ومن خلفه ؛ أي وراء ظهره ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه ، فإذا جاء القدر خلّوا عنه . واختلفوا في المعقّبات ، قال بعضهم : الكرام الكاتبون ؛ وهم أربعة : ملكان بالليل وملكان بالنّهار . قوله تعالى : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ؛ أي بأمر اللّه حتى ينهوا به إلى المقادير ، فيخلّوا بينه وبين المقادير ، قال كعب الأحبار : ( لولا أنّ اللّه وكّل بكم ملائكة يذبّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لخطفتكم الجنّ ) « 1 » . قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ؛ أي لا يسلب قوما نعمة حتى يعملوا المعاصي ، يعني بهذا أهل مكّة ، بعث فيهم رسولا منهم ، وأطعمهم من جوع ، وآمنهم من خوف ، فلم يعرفوا هذه النعمة وغيّروها وجعلوها لأهل المدينة « 2 » .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 15370 ) . وفي الدر المنثور : ج 4 ص 614 ؛ قال السيوطي : ( أخرجه ابن جرير عن كعب الأحبار رضي اللّه عنه ) . ( 2 ) في الجامع لأحكام القرآن : ج 9 ص 294 ؛ قال القرطبي : ( أخبر اللّه تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير ، إما منهم أو من الناظر لهم ، أو ممن هو منهم بسبب ؛ كما غير اللّه بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة لأنفسهم ، إلى غير هذا من أمثلة الشريعة ؛ فليس - معنى - - الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدّم منه ذنب ، بل قد تنزل المصائب بذنوب‌الآثار -