الطبراني
85
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وقال بعض المفسّرين في معنى الآية : ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ ) في الآخرة إلى الثّواب ونيل الكرامة ( يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ) في الدّنيا بالدّلالات . ومن يرد أن يقيله عن ثوابه ونيل كرامته في الآخرة ( يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ) في الدّنيا عقوبة له على كفره . قوله عزّ وجلّ : وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً ؛ ( هذا ) إشارة إلى الإسلام ، وقيل : إلى بيان القرآن ، سمي ذلك مستقيما ؛ لأنه يستقيم بمن يسلكه ؛ فلا يعرج فيه حتّى يورده إلى الجنّة ، وقوله تعالى : قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ ؛ أي أتينا بآية على إثر آية مفصّلة مبيّنة ؛ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 126 ) ؛ أي يتّعظون بآيات اللّه ، ويتفكّرون في دلالات القرآن ، فلم يبق لأحد عذر في التّخلّف عن الإيمان بعد هذا البيان . قوله تعالى : * لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ؛ قال ابن عبّاس : ( اللّه السّلام ، وداره الجنّة ) « 1 » . كأنه قيل لهم : جنّة اللّه . وقال الفرّاء : ( معناه : لهم دار السّلام الدّائمة من كلّ آفة وبليّة ) . وقوله تعالى : ( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) أي في الآخرة . وقيل : معناه : مقيمون عند ربهم ؛ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ ؛ أي يتولّى أمرهم بنصرهم في الدّنيا وإكرامهم في الآخرة ، بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 127 ) ؛ من الطاعة . قوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ معناه : يوم نحشر الخلائق كلّهم إلى الجزاء ، يقول : يا معشر الجنّ قد استكثرتم من الإنس ممّن أضللتموهم ؛ أي أضللتم كثيرا من الإنس وكثير متّبعوكم منهم ، وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ ؛ أي قرناء الجنّ ؛ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ . أما استمتاع الإنس بالجن فما روى الحسن : ( أنّ العرب كانوا إذا سافروا فنزلوا واديا ؛ خافوا على أنفسهم فقالوا : نعوذ بسيّد هذا الوادي من سفهاء قومه ؛ فيبيتون في جوار منهم ، وكانوا يرون ذلك استجارة بالجنّ ) .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص ( 10806 ) عن السدي .