الطبراني
76
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قال ابن عبّاس في معنى هذه الآية : ( إنّ إبليس قسّم جنده فريقين ، فبعث فريقا منهم إلى الإنس ؛ وفريقا إلى الجنّ . فشياطين الإنس وشياطين الجنّ يلتقي بعضهم ببعض ، فيقول بعضهم لبعض : أضللت صاحبي بكذا وكذا ، أتيته من قبل الشّهوات واللّذات ، ومن قبل المراكب والملابس والطّعام والشّراب ، فإن أعياني من وجه أتيته من وجه آخر ، فأضلل صاحبك بمثله ) . فذلك قوله عزّ وجلّ : يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ ؛ أي يلقي بعضهم إلى بعض ويملي بعضهم إلى بعض ؛ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ؛ أي المموّه الذي يكون فيه تزيين الأعمال القبيحة . وقوله تعالى : ( غُرُوراً ) نصب على المصدر ؛ كأنه قال : يغرون به غرورا . وذهب بعض المفسّرين : ( إلى أنّ الشّياطين اسم لكلّ عات متمرّد ؛ من الجنّ ومن الإنس شياطين ) . كما روي عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه قال : دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو في المسجد ، فأمرني أن أصلّي ركعتين ؛ فصلّيت وجلست إليه ؛ فقال لي : [ يا أبا ذرّ ؛ تعوّد باللّه من شياطين الإنس والجنّ ] . فقلت : يا رسول اللّه ؛ أومن الإنس شياطين ؟ ! فقال : [ أو ما تقرأ قوله تعالى : شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ؟ ] « 1 » . قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ ؛ أي لو شاء ربّك أن يمنع الشياطين من الوسوسة ما فعلوه ، ولكن يمتحن عباده بما يعلم أنه أبلغ في الحكمة وأجزل في الثواب . قوله تعالى : فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 112 ) ؛ أي اتركهم وافترائهم وكذبهم على استجهالاتهم ، فإنّي القادر عليهم . قوله تعالى : وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ عطف على ( غرورا ) ؛ أي يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول الغرور ، ولتميل إليه أفئدة الذين لا يقرّون بالبعث ، ولكن يرضوا القول الزخرف ويكتسبون من الإثم ؛ وهو ما قضي عليهم في اللّوح المحفوظ ، يقال : اقترف فلان ذنبا ؛ إذا عمله . وقيل :
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الحديث ( 10717 و 10718 ) . والإمام أحمد في المسند : ج 5 ص 178 .