الطبراني

60

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

علمتم بالقرآن ما كنتم أخفيتموه قبل نزول القرآن ؛ لأنّهم قد ضيّعوا شيئا كثيرا من القرآن والأحكام ، وكانوا يعاندون ولا يعملون حتى صاروا كأنّهم لم يعلموه . قوله تعالى : قُلِ اللَّهُ ؛ معناه : إن هم أجابوك وقالوا : أعلمنا اللّه ، وإلا فقل : اللّه علّمكم . ويقال معناه : قل اللّه أنزل الكتاب على موسى ، ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ( 91 ) ؛ أي دعهم واتركهم في باطلهم يلهون ، ويقال لكلّ من عمل ما لا ينفعه : إنّما أنت لاعب . قال ابن عبّاس : ( فلمّا رجع مالك بن الصّيف من عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قومه ، قالوا له : ويلك ! ما هذا الّذي بلغنا عنك ، زعمت أنّه ما أنزل اللّه على بشر من شيء ! أرأيت كتابنا من جاء به إلى موسى وهو بشر ؟ ! قال : إنّه قد أغضبني ، فلذلك قلت ما قلت . قالوا : إذا غضبت قلت غير الحقّ ، واللّه لا تلي لنا شيئا ، فنزعوه عمّا كان يلي لهم ، وولّوا مكانه كعب بن الأشرف ) « 1 » . قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء فيها على الإخبار ، وقرأ الباقون بالتّاء على الخطاب . قوله عزّ وجلّ : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ ؛ يعني القرآن الذي كذب به أهل الكتاب ومشركو قريش ؛ هو ( كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ ) أي فيه بركة ومغفرة للذنوب لمن آمن به ، والبركة : ثبوت الخير على النّماء والزيادة . وقوله تعالى : مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ؛ هو موافق للتوراة والإنجيل وسائر كتب اللّه في أصل الدّين ، ويقال : المراد ب ( الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) النشأة الثانية . قوله تعالى : وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها ؛ أي أنزلناه للبركة ، ولتخوّف به أهل أمّ القرى ، وسميت مكة أمّ القرى لأنّها أصل القرى دحيت الأرض من تحتها ، ويقال : لأنّها أعظم القرى شأنا ، وقيل : لأنّها قبلة تأمّها الناس بالصلوات إليها . قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ؛ أي الذين يقرّون ويصدّقون بالبعث يؤمنون بالقرآن ، وفي هذا بيان أنّ الإيمان بالحساب والجزاء يقتضي

--> ( 1 ) في الدر المنثور : ج 3 ص 314 ؛ قال السيوطي : ( ( أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد ) ) .