الطبراني
510
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وأما ما كان من أمر زليخا فإنه لما مات العزيز وبقيت أرملة ، قالت : أنا من يوسف على رجاء ، وأمري كلّ يوم إلى نقص ؛ وذلك بمعصيتي لآله يوسف ، فكيف لا أقوم إلى هذا الصّنم المشؤوم فأجعله جذاذا ، وألحق بيوسف وأسلم على يده ؟ لعلّ إلهه يرحمني ويقضي حاجتي ، فقامت وكسرت صنمها وجاءت إلى طريق يوسف ، فوقفت له في يوم ركوبه فأقبل مع الأعلام والرايات مكتوبات عليها : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . فلمّا صار يوسف بحذاء زليخا نادت : سبحان من يعلي العبيد ويجعلهم ملوكا بطاعته ، ويذلّ الموالي ويجعلهم عبيدا بمعصيته . فسمع ذلك يوسف فقال : عليّ بصاحبة هذا الكلام ، فأتي بها إليه فقال : من أنت ؟ قالت : زليخا أما تعرفني ؟ ! قال : لا ، قالت : قد أنكرتني ؟ قال : أشدّ الإنكار ، قالت : أنا الذي راودتك عن نفسك فاستعصمت بإله السّماء ، فرفعك ووضعني ؛ وأعزّك وأذلّني ؛ وأغناك وأفقرني ، فعلمت أني في باطل وغرور ، فكسرت صنمي وجئتك طائعة مؤمنة أقول : لا إله إلّا اللّه ، ليرحمني ، فوقعت رحمتها في قلبه ، فقال : سلي حاجتك ، قالت : أتفعل ؟ قال : نعم ، قالت : لي ثلاث حوائج يا يوسف قد ذهب بصري فادع اللّه أن يردّ عليّ لأنظر إلى جمال وجهك ، فدعا اللّه فردّ عليها بصرها فأقبلت تنظر إلى يوسف ، ثم قالت : وادع اللّه أن يردّ علي حسني وجمالي ، فدعا اللّه فردّه عليها ذلك . فلما نظر يوسف إليها نكّس رأسه وقال : أما تسألي الثالثة يا رأس الفتنة ؟ قالت : تتزوّج بي حلالا ؟ قال لها : قومي يا رأس الفتنة هذه حاجة ليس في نفسي قضاؤها ، قالت : أما أنا فلا أقنط من رحمة اللّه ، فنزل جبريل على يوسف وقال : إن اللّه يأمرك أن تتزوج بها ، فجعلت تحمد اللّه وتشكره فتزوّجها ، فلما دخل بها وجدها عذراء ، فولدت له ولدين ، وأقام يعقوب عند يوسف ثماني عشرة سنة ، ومات قبل يوسف بسنتين . قوله تعالى : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ؛ أي ذلك الذي ذكرت لك يا محمّد من قصّة يوسف وإخوته من أخبار ما غاب علمه عنك نوحيه إليك . قوله : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ ؛ أي وما كنت عندهم إذ