الطبراني
500
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ ؛ أي أخّر هذه الكلمة في نفسه ، ولم يظهر لهم جوابا ، بل قالَ ؛ في نفسه : أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً ؛ أي صنعا من يوسف بما قدّمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ( 77 ) ؛ به يوسف . قوله تعالى : قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ ؛ روي أنّ يهودا كان أشدّ بني يعقوب غضبا ، وكان إذا غضب صاح فلا تسمع صوته حامل إلّا وضعت ، وكان إذا غضب تقوم كلّ شعرة من جسده وتنتفخ ، فلا يسكن غضبه حتى يمسّه واحد من آل يعقوب . فقال يهودا لبعض إخوته : انظروا كم سوقا بمصر ؟ فنظروا فإذا هي عشرة ، فقال لإخوته : اكفوني من هذه الأسواق حتى أكفيكم من الملك ، ثم قال : تباعدوا منّي ، فأمر يوسف ابنا له صغيرا ، فقال : اذهب فمسّ ذلك الرجل ، فدنا منه فمسّه فذهب غضبه ، ثم همّ أن يصيح ثانية ، فقام إليه يوسف فركضه برجله ليريه أنه شديد ، ودفعه ثم أخذ بتلابيبه فجذبه فوقع في الأرض . ثمّ قال : إنّكم ترون معشر العبرانيّين أنّ أحدا ليس مثلكم في الشدّة . فقال يهودا لإخوته : هل مسّني أحد من آل يعقوب ؟ قالوا : لا ، وذلّ يهودا عند ذلك ، وقال : يا أيّها العزيز إنّ له أبا شيخا كبيرا في السنّ ، فذكروا هذا على جهة الاسترحام . وقيل : معناه : كبير القدر لا يحسبن ، أين مثله ؟ فخذ أحدنا مكانه عبدا . وقيل : وفي هذا دليل أنه كان يجوز لإنسان أن يرقّ نفسه لغيره ، وقد نسخ هذا بشريعة نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » . قوله تعالى : إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 78 ) ؛ إلى كلّ من يأتيك وقد أوفيت لنا الكيل ، ورددتّ علينا بضاعتنا وقضيت حاجتنا ، فإن رددتّ معنا أخانا كان أعظم منّة علينا من جميع ما سبق .
--> ( 1 ) هنا أدرج الناسخ عبارة : ( وهنا كذا في تفسير عبد الصمد ) وستأتي ترجمة عبد الصمد إن شاء اللّه وهو متأخر عن الإمام الطبراني .