الطبراني

493

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

لأن الأنبياء عليهم السّلام بعثوا لإقامة العدل ووضع الأشياء مواضعها ، فعلم يوسف أنه لا أحد أقوم بذلك منه . قوله تعالى : ( إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) أي حافظ للخزائن ، عالم بوضعها مواضعها ، وقيل : لجميع ألسن الغرباء الذين يأتونك ، فإنه كان يتكلّم بالعربيّ والعبراني والسرياني والقبطي . وقيل عالم بساعات حاجات الناس ، وذلك أن أمر الخبّازين أن يجعلوا غداء الملك نصف النهار ، فمن ثمّ جعل الملوك غداءهم نصف النهار ، فلما كانت الليلة التي وقع فيها الجوع أوّل السنين الجدبة ، أمر الخبّازين أن يجعلوا غداءه مع عشائه ففعلوا ، فوقع الجوع في نصف الليل ، فهتف الملك : يا يوسف الجوع الجوع ، فقرّب إليه طعامه . وفي الآية دليل على أنه يجوز للإنسان أن يمدح نفسه بالأفضل عند من لا يعرفه ، وأنّ المراد بقوله تعالى : ( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ) « 1 » النهي من تزكية النفس للفخر والسّمعة . قوله تعالى : وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ ؛ أي كما برّأنا ساحته وخلّصناه من الحبس ، كذلك مكّنا له في أرض مصر ( يَتَبَوَّأُ مِنْها ) أي ينزل بها حيث يشاء ، نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ . وروي أن الملك توّجه وأعطاه سيفه ووضع له سريرا من ذهب مكلّلا بالدّرّ والياقوت ، ثم أمر بأن يجلس عليه ، فجلس ولزم الملك بيته وفوّض إليه كلّ أموره ، وذلّت له سائر الملوك ، فلطف يوسف بالناس وأقام فيهم العدل وأخذ يدعوهم إلى الإسلام ، فأحبّه الناس كلهم وآمن كثير منهم . قوله تعالى : وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) ؛ على إحسانهم . قوله تعالى : وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا ؛ أي ولثواب الآخرة خير من ثواب الدّنيا للذين آمنوا باللّه وكتبه ، وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 57 ) ، الكفر والفواحش . قوله تعالى : وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ ؛ وهم عشرة ، جاؤوا من بعد أبيهم في سنيّ القحط لطلب الطعام كما يجيء غيرهم ، فدخلوا عليه

--> ( 1 ) النجم / 32 .