الطبراني

472

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

ثم عمدوا إلى سخلة فذبحوها ، وجعلوا دمها على قميص يوسف ، وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ( 16 ) ؛ أي يتباكون ، قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ أي نتسابق في الرّمي ، وقيل : نسابق في الاصطياد ، وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا ؛ ليحفظه ، فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ؛ أي بمصدّق لنا في أمر يوسف لفرط محبّتك له وتهمتك إيانا فيه ، وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ( 17 ) ؛ محل الصدق عندك في غير هذا الحديث . ثم أروه قميصه ملطّخا بالدم ، فذلك قوله تعالى : وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ؛ أي بدم كذب ، فلمّا نظر يعقوب إلى القميص قال : ما عهدت ذئبا حليما مثل هذا الذئب ! فكيف أكل لحمه ولم يخرّق قميصه ؟ ! ولو أنّهم كانوا مزّقوا قميصه حين لطّخوه بالدم ، كان ذلك أبعد عن التّهمة عنهم « 1 » ، ولكن لا بدّ في المعاصي أن يقترن بها الحزنان ، قالَ ؛ يعقوب : كذبتم ، بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً أي زيّنت لكم أنفسكم في هلاك يوسف فضيّعتموه . ويقال : إن يعقوب كما قال لهم : لو أكله الذئب فشقّ قميصه ! قالوا : لو قتله اللصوص لما تركوا قميصه ، هل يريدون إلا الثياب والمتاع ، فسكتوا متحيّرين . قوله تعالى : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ؛ أي فصبر جميل أولى من الجزع ، والصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ، قوله تعالى : وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 ) ؛ أي معناه : أستعين باللّه على الصبر في ما يقولون . وروي : ( أنّ شريحا كان جالسا للقضاء ، فجاءته امرأة تبكي وتشكو ، فقيل له : يوشك أن تكون هذه مظلومة ، فقال شريح : قد جاء إخوة يوسف أباهم عشاء يبكون وهم كذبة ) . قوله تعالى : وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ ؛ أي جاءت قافلة من المسافرين بعد أن مكث يوسف عليه السّلام في الجب ثلاثة أيّام . يروى أنّهم جاءوا من قبل

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 14492 ) عن الشعبي قال : ( ( ذبحوا جديا ولطّخوه من دمه ، فلمّا نظر يعقوب إلى القميص صحيحا ، عرف أنّ القوم كذبوه ، فقال لهم : إن كان هذا الذّئب لحليما ، حيث رحم القميص ولم يرحم ابني ! فعرف أنّهم قد كذبوه ) ) .