الطبراني
430
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي ؛ معناه : أنّ قومه يقولون : إنّ نوحا قد تقوّل على اللّه الكذب ، فأمر اللّه نوحا أن يجيبهم بالقول اللّيّن بعد المبالغة في إقامة الحجّة عليهم ، فيقول لهم : ( إِنِ افْتَرَيْتُهُ ) أي تقوّلت الكذب على اللّه فعليّ عقوبة إجرامي ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ( 35 ) ، وأنا بريء من عقوبة جرمكم . ويقال : معنى الآية : أم يقول أهل مكّة إنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم قد افترى قصّة نوح ( قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي ) والإجرام يستعمل في كسب الإثم خاصّة . قوله تعالى : وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ أي وأوحى اللّه إلى نوح : أنه لن يصدّق من قومك سوى من صدّق ، فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) ؛ فلا تغتمّ بالحزن عليهم ، والابتئاس : هو الغمّ على وجه الاستكانة للحزن على الشّأن . فقيل : إنما دعا نوح عليه السّلام بقوله : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً « 1 » بعد هذا الوحي . قوله تعالى : وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا ؛ أي اصنع السّفينة بحفظنا لك حفظ الرّاعي لغيره لدفع الضّرر عنه ، وذكر الأعين لتأكيد الحفظ . ويقال : معناه بأعين الملائكة الذين يعرّفونك كيف تصنع السفينة . قوله تعالى : ( وَوَحْيِنا ) أي وبأمرنا إيّاك . قوله تعالى : وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ؛ أي لا تراجعني الكلام في نجاة الذين ظلموا أنفسهم بالكفر ، إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ؛ ( 37 ) بالطّوفان . قوله تعالى : وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ أي لما أخذ نوح في علاج السّفينة . ويروى أنه استأجر أجراء ينحتون معه ، وكلّما مرّ ملأ من قومه هزئوا به لمعالجته السفينة ؛ لأنّهم كانوا يرونه يعمل السفينة مع أنّه لم يكن بقربه ماء ، وكان من لدن آدم عليه السّلام إلى نوح يسقون من ماء المطر ، فلا بحر ولا نهر جار ، فكانوا يقولون : انظروا إلى هذا الشّيخ الضالّ يصنع هذه السفينة يخوّفنا بالغرق ،
--> ( 1 ) نوح / 26 .