الطبراني
40
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
والتّوفّي في اللغة : هو القبض ؛ إلّا أن روح النائم لا تصير مقبوضة في حال نومه على جهة الحقيقة ؛ لأن النائم يستمدّ من الهواء على حسب ما يفعله المنتبه ، ولكنّ اللّه يحدث في حال النوم من بدن النائم ضربا من الاسترخاء في إغماء منه ، إمّا بسلب عقله ، أو بإحداث فعل في البدن يكون ذلك الفعل سببا لراحة البدن ، كما قال تعالى : وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً « 1 » فلما صار النائم كالميت في أنه لا يعقل وفي أن تصرفه لا يقع على تمييز ؛ شبه بالميت من حيث التوفّي على هذا الوجه ، كما ورد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : [ النّوم أخو الموت ، وأهل الجنّة لا يموتون ولا ينامون ] « 2 » . وعلى هذا الوجه يتأوّل قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها « 3 » إلى آخر الآية . وذهب بعضهم إلى أن الروح تخرج من البدن في المنام ، ولكن لا تنقطع حركة النائم ؛ لأن نظر الروح لم ينقطع عن البدن ؛ إذ هو على العود في كلّ وقت وفي كل ساعة ؛ وقال : لا يخرج منه الروح ، وإنّما يخرج منه الذهن . قوله تعالى : وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ؛ أي كسبتم من الخير والشرّ بالنهار ، يقال : جرح واجترح ؛ بمعنى كسب واكتسب ، وأصل الاجتراح : عمل الجوارح . قوله تعالى : ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ؛ أي ينبهكم من نومكم في النهار على علم منه بما اجترحتم من قبل وما تجترحون من بعد ، لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى أي لتبلغوا الوقت المقدور الذي قدّره اللّه بحيويّتكم ؛ فتنقطع أرزاقكم وأعمالكم التي تعملون في الدّنيا من خير أو شرّ .
--> ( 1 ) النبأ / 9 . ( 2 ) أخرجه الطبراني في الأوسط : ج 1 ص 502 : الحديث ( 923 ) وج 9 ص 376 - 377 : الحديث ( 8811 ) . وفي مجمع الزوائد : ج 1 ص 415 : باب أهل الجنة لا ينامون ؛ قال الهيثمي : ( ( رواه الطبراني في الأوسط والبزار ورجال البزار رجال الصحيح ) ) . ( 3 ) الزمر / 42 : . . فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .