الطبراني
369
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
يخسرون بالدّعاء إلى الجهاد في كلّ عام مرّة أو مرّتين ، ويقال : يهلكون بهتك أسرارهم ، ثم يظهر اللّه من سوء نيّاتهم وخبث سرائرهم « 1 » . ويقال : كانوا ينقضون عهدهم في السّنة مرة أو مرتين فيعاقبون ، ثم لا يتوبون عن نفاقهم ولا يذكرون بما صنع اللّه بهم بنقضهم العهد . وقرأ حمزة ويعقوب : ( أولا ترون ) بالتاء خطابا للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين . قوله تعالى : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ ؛ إذا نزلت سورة فيها عيب المنافقين فخاطبهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وعرّض لهم في خطبته ، نظر بعض المنافقين إلى بعض ، هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ، من المخلصين إذا هو قائم فخرج من المسجد ، فإذا كان لا يراه أحد خرج من المسجد وانصرف ، وإن علموا أنّ أحدا يراهم قاموا وثبتوا مكانهم حتى يفرغ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من خطبته . قوله تعالى : ثُمَّ انْصَرَفُوا ؛ أي انصرفوا عن الإيمان والعمل بترك ما يستمعون ، ويقال : انصرفوا عن المكان الذي سمعوا فيه ، صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ؛ باللطف الذي يحدثه للمؤمنين . قوله تعالى : بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 127 ) ؛ أي ذلك الصرف بأنّهم قوم لا يفقهون ما يريد اللّه بخطابه . قوله تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ؛ هذا خطاب لأهل مكّة ، والمعنى : لقد جاءكم رسول من أهل نسبكم ولسانكم ، شريف النّسب تعرفونه وتفهمون كلامه . وإنما قال ذلك ؛ لأنه أقرب إلى الألفة . وقيل : إن هذا خطاب لجميع الناس ، معناه : جاءكم آدميّ مثلكم ، وهذا أوكد للحجّة عليكم ؛ لأنّكم تفهمون عن من هو من جنسكم . وقرأ ابن عبّاس والزهري ( من أنفسكم ) بفتح الفاء ؛ أي من أشرفكم وأفضلكم ، من قولك : شيء ذو نفس « 2 » ، وقال : كان من أعلاكم نسبا ، قوله تعالى : ( عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ) أي شديد عليه عنتكم وإثمكم ، العنت : الضيّق والمشقّة .
--> ( 1 ) في المخطوط : ( شرارهم ) . ( 2 ) ينظر : اللباب في علوم الكتاب : ج 10 ص 247 .