الطبراني
363
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ؛ عطف على ما تقدّم . وقيل : المراد بهم جميع المذكورين من أوّل الآية إلى هذا الموضع ، وهذه الصّفة من أتمّ ما يكون من المبالغة في وصف العباد بطاعته للّه ، والقيام بأوامره والانتهاء عن زواجره ؛ لأن اللّه تعالى بيّن حدوده في الأمر والنهي وفي ما ندب إليه فرغّب فيه أو خيّر فيه ، وبيّن ما هو الأولى في مجرى طاعة اللّه تعالى ، فإذا قام العبد بفرائض اللّه وانتهى إلى ما أراد اللّه منه كان من الحافظين لحدود اللّه ، كما روي عن خلف بن أيّوب : أنّه أمر امرأته أن تمسك إرضاع ولده في بعض اللّيل وقال : قد تمّت له سنتان ، قيل له : لو تركتها حتّى ترضعه هذه اللّيلة ، قال : فأين قوله تعالى : ( وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ) . قوله تعالى : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 112 ) ؛ أي بشّرهم بالجنة . قوله تعالى : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى ؛ قال ابن عبّاس : ( وذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سأل عن أبويه أيّهما أحدث عهدا به ؟ فقيل : أمّك ، فقال : [ هل تعلمون موضع قبرها ؟ لعلّي آتيه فأستغفر لها ، فإنّ إبراهيم عليه السّلام استغفر لأبويه وهما مشركان ] فقال المسلمون : ونحن أيضا نستغفر لآبائنا وأهلينا . فانطلق صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى أتى القبر ، فإذا هو بجبريل عليه السّلام عند القبر ، فوضع يده في صدر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقرأ عليه هذه الآية ) « 1 » . قال أبو هريرة رضي اللّه عنه : قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : [ استأذنت ربي أن أستغفر لوالديّ فلم يأذن لي ، واستأذنت أن أزور قبرهما فأذن لي ] « 2 » . ومعنى الآية : ما ينبغي وما يجوز للنبيّ والذين آمنوا أن يطلبوا المغفرة للمشركين ، ولو دعتهم رقّة القرابة إلى الاستغفار لهم ، مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 113 ) ؛ أي من بعد ما ظهر لهم أنّهم أصحاب النار بأنّهم ماتوا على الكفر .
--> ( 1 ) في الدر المنثور : ج 4 ص 302 ؛ قال السيوطي : ( ( أخرجه الطبراني وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس ) ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الحديث ( 14372 ) . ومسلم في الصحيح : كتاب الجنائز : باب استئذان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : الحديث ( 108 / 976 ) .