الطبراني

34

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

والفائدة في ذلك أن الأغنياء كانوا شاكّين في أن سبق الفقراء إلى الإيمان وصبرهم على طريقة الدّين ؛ هل يوجب أن تكون نعمة من اللّه عظيمة عليهم ، فأمرهم اللّه تعالى أن يستفهموا من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ما لأجله يقوم الفقراء بحضرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم واستحقّوا الإعظام ، فيظهر عند الاستفهام جواب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويكون في سماعهم لذلك مصلحة عظيمة توجب رضاهم بتقديم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أهل الدين . قوله تعالى : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 ) ؛ استفهام بمعنى التحقيق على معنى أنّ اللّه أعلم بمن هو من أهل التوحيد والثّواب . وقوله تعالى : وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 54 ) ؛ اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية ؛ فقال عكرمة : ( نزلت في الّذين نهى اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن طردهم ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا رآهم بدأهم بالسّلام وقال : [ الحمد للّه الّذي جعل في أمّتي من أمرني أن أبدأهم بالسّلام ] ) « 1 » . وقال ابن عبّاس والكلبيّ : ( لمّا نزلت هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الآية ، جاء عمر رضي اللّه عنه معتذرا من مقالته ؛ فأنزل اللّه تعالى : ( وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ) الّذين يصدّقون بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن ( فقل سلام عليكم ) أي قبل اللّه معذرتهم وتوبتهم ) . ومعنى السّلام : السلامة من جميع الآفات .

--> ( 1 ) ينظر : الجامع لأحكام القرآن : ج 6 ص 435 . وأخرجه الطبراني في الأوسط : الحديث ( 8861 ) عن أبي سعيد الخدري بلفظ : [ من أمرني بالصّبر معهم ] . وأبو داود في السنن : كتاب العلم : باب في القصص : الحديث ( 3666 ) : بلفظ : عن أبي سعيد الخدري قال : جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين وإنّ بعضهم ليستتر ببعض من العري ، وقارئ يقرأ علينا ، إذ جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقام علينا ، فلمّا قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سكت القارئ ، فسلّم ، ثمّ قال : [ ما كنتم تصنعون ؟ ] قلنا : يا رسول اللّه ، إنّه كان قارئ لنا يقرأ علينا ، فكنّا نستمع إلى كتاب اللّه ، قال : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ الحمد للّه الّذي جعل من أمّتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ] قال : فجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسطنا ليعدل بنفسه فينا ، ثمّ قال بيده هكذا ، فتحلّقوا ، وبرزت وجوههم له ، قال : فما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عرف منهم أحدا غيري ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنّور التّام يوم القيامة ، تدخلون الجنّة قبل أغنياء النّاس بنصف يوم ، وذاك خمسمائة سنة ] .