الطبراني
302
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ ؛ أي ثم يتوب من بعد الهزيمة على من يشاء منهم من كان أهلا لذلك ، وَاللَّهُ غَفُورٌ ؛ لما كان منهم في الشّرك إذا تابوا رَحِيمٌ ( 27 ) ؛ بهم في الإسلام . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا ؛ معناه : إنما المشركون قذر ، وقيل : خبث . والنّجس : مصدر أقيم مقام الاسم لا يثنّى ولا يجمع ، يقال : رجل نجس وامرأة نجس ، ورجال ونساء نجس ، ولا يؤنّث ولا يجمع ؛ فلهذا لم يقل إن المشركين أنجاس ، وسمّى المشرك نجسا ؛ لأنّ شركه يجري مجرى القذر في أنه يجنب الجنب ، كما تتجنّب النجاسات ؛ أي يجب التبرّؤ من المشركين وقطع مودّتهم . والنجاسة على ضربين ، نجاسة أعيان ، ونجاسة الذّنوب ، وكان الحسن يقول : ( لا تصافح المشركين ، فمن صافحهم فليتوضّأ ) « 1 » ، وقال قتادة : ( سمّاهم اللّه نجسا لأنّهم يجنبون ولا يغتسلون ، ويحدثون ولا يتوضّؤون ، فمنع من دخول المساجد ؛ لأنّ الجنب لا يدخل المسجد ) « 2 » . قوله تعالى : ( فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا ) أي لا ينبغي لهم أن يقربوه للحجّ والطّواف بعد هذا العام ، وهو العام الذي حجّ فيه أبو بكر رضي اللّه عنه ، ونادى عليّ رضي اللّه عنه فيه ببراءة ، وهو سنة تسع من الهجرة ، ثم حجّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في العام الثاني حجّة الوداع في سنة عاشر من الهجرة « 3 » . قوله تعالى : ( فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) بيان أنّ المراد بالآية إبعاد المشركين عن المسجد الحرام ، كما روي عن عليّ رضي اللّه عنه أنه كان ينادي فيهم في ذلك العام : [ ألّا لا يطوفنّ بهذا البيت بعد هذا العام مشرك وعريان ] .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 12894 ) . ( 2 ) هذا تأويل الإمام الطبري ، وأدرجه المصنف رحمه اللّه في مجال كلام قتادة . وأخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 12889 ) ؛ قال : النجس : الجنابة . والأثر ( 12891 ) . ( 3 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 12895 ) عن قتادة .