الطبراني
293
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ ؛ قال ابن عبّاس : ( لمّا أسر العبّاس يوم بدر ، أقبل عليه المسلمون يعيّرونه بالكفر وقطيعة الرّحم وعون المشركين على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأغلظ عليّ رضي اللّه عنه القول له ، فقال العبّاس : ما لكم تذكرون مساوءنا ولا تذكرون محاسننا ؟ ! فقال له عليّ رضي اللّه عنه : ألكم محاسن ؟ ! قال : نعم ؛ إن كنتم تجاهدون الأعداء مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فنحن نعمر المسجد الحرام ، ونحجب الكعبة ، ونسقي الحاجّ ، ونفكّ الأسير ، فنحن أفضل منك أجرا . فأنزل اللّه هذه الآية ردّا على العبّاس ) « 1 » . ومعناها : ما كان للمشركين أن يقوموا بعمارة المسجد ، وأنّ المساجد للّه . والعمارة على وجهين ؛ تذكر ويراد بها البناء وتجديد ما انهدم منها ، ويؤنّث ويراد بها الزيادة ، ومن ذلك العمرة ومعناها زيارة البيت ، فانتظمت الآية ، نهى المشركين عن بناء المساجد وعن عمارتها بالطاعة ، فإنّهم إنما يعمرونها بعبادة الأوثان ومعصية اللّه . ومن قرأ ( مسجد اللّه ) على التوحيد أراد المسجد الحرام خاصّة وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ومجاهد وسعيد بن جبير وقراءة ابن عبّاس ، وقرأ الباقون ( مساجد ) بالجمع ، وإنما قال ( مساجد ) لأنه قبلة المساجد كلّها . وقيل لعكرمة : لم تقرأ ( مساجد ) وإنّما هو مسجد واحد ؟ فقال : ( إنّ الصّفا والمروة من مساجد اللّه ) . قوله تعالى : شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ؛ نصب ( شاهدين ) على الحال على معنى : ما كانت لهم عمارة المسجد في حال إقرارهم بالكفر ، وهم كانوا لا يقولون نحن كفّار ، ولكن كان كلامهم يدلّ على كفرهم ، وهذا كما يقال للرجل : كلامك يشهد أنّك ظالم ، وهو قول الحسن ، وقال السديّ : ( شهادتهم على أنفسهم بالكفر ، أنّ اليهوديّ لو قلت له : ما أنت ؟ قال : يهوديّ ، ويقول النّصرانيّ : هو نصرانيّ ، ويقول المجوسيّ : هو مجوسيّ ) « 2 » . وقيل : شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم لأصنامهم وإقرارهم أنّها مخلوقة . قوله تعالى : أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ؛ معناه : إنّ الكفر أذهب
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 12861 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 12856 و 12857 ) .