الطبراني

29

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وقد قطع اللّه دابر المعاندين من أهل مكّة يوم بدر كما قطع دابر المكذبين قبلهم . وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : [ إذا رأيت اللّه تعالى يعطي عبدا في الدّنيا على معصيته ما يحبّ ؛ فإنّ ذلك منه استدراج ، ثمّ قرأ صلّى اللّه عليه وسلّم : ( فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ) الآية ] « 1 » . قوله عزّ وجلّ : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ؛ أي قل يا محمّد لكفّار مكة : إن سلب اللّه سمعكم وأبصاركم التي هي أشرف ما قبلكم من الأعضاء ، وختم على قلوبكم ؛ فإن سلب عقولكم حتى لا تفهموا بها فعاقبكم بذلك على تكذيبكم الرسل ؛ هل من إله غير اللّه يردّ عليكم ما سلبه اللّه تعالى ؟ وهل يقدر على ذلك غيره ؟ انْظُرْ ؛ يا محمّد ؛ كَيْفَ نُصَرِّفُ ؛ نبيّن لهم ؛ الْآياتِ ؛ في القرآن ؛ ونخوّفهم بها ؛ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ( 46 ) ؛ أي يعرضون عما وضح لهم مكذّبين به ، لا تتحرك أفئدتهم . والتصريف توجيه المعنى في الجهات تظهره أتمّ الإظهار . قوله عزّ وجلّ : قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ؛ أي أرأيتم إن أتاكم وهذا حالكم في الإصرار على الكفر عذاب اللّه فجأة وعلانية ؛ نهارا جهارا ، هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ( 47 ) ؛ إلا أنتم وما أشبهكم ؛ لأنكم كفرتم معاندين ، فقد علمتم أنكم ظالمون . وإنّما قابل البغتة بالجهرة وإن كان ضدّ الجهرة الخفية ؛ لأن ما يأتي فجأة فإنّما يأتي خفية . قوله تعالى : وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ؛ أي ليس على الرسل أن يأتوا الناس بما يقترحون عليهم من الآيات ، إنّما نرسلهم بالتبشير بالجنّة للمطيعين ؛ والتحذير بالنار للكافرين ، فَمَنْ آمَنَ ؛ بالرسل والكتب ؛ وَأَصْلَحَ ؛ العمل فيما بينه وبين ربه ؛ فأقام على إيمانه وتوبته ؛ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ؛ حين يخاف أهل النار ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 48 ) ؛ إذا حزنوا .

--> ( 1 ) عن عقبة بن عامر ؛ أخرجه الطبري في جامع البيان : الحديث ( 10315 ) بإسنادين . والطبراني في الأوسط : الحديث ( 9268 ) . وفي مجمع الزوائد : ج 7 ص 23 ؛ قال الهيثمي : ( ( رواه أحمد والطبراني ) ) وسكت عنه . والبيهقي في شعب الإيمان : باب في تعديد نعم اللّه : الحديث ( 4540 ) .