الطبراني
253
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
صلّى اللّه عليه وسلّم فحلّه بيده ، فقال أبو لبابة : ( تمام توبتي أن أهجر دار قومي الّتي أصبت فيها الذنب ، وأن أتّخلّع من مالي ) فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ يجزيك الثّلث أن تتصدّق به ] « 1 » . وقال ابن عبّاس : ( معنى الآية : لا تخونوا اللّه بترك فرائضه ، والرّسول بترك سنّته ) « 2 » . ( وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ ) أي ولا تخونوا أماناتكم ، انتصب على الظّرف ؛ أي إنّكم إن فعلتم ذلك فإنما خنتم أماناتكم عطفا . ويقال : أراد بقوله : ( لا تَخُونُوا اللَّهَ ) الخيانة من الغنائم التي هي عطيّة اللّه ، والخيانة للّه فيها خيانة الرسول أيضا ؛ لأنه هو القيّم بقسمتها ، وقوله : ( وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ ) يحتمل الخيانة في الغنائم أيضا ؛ لأنّهم كلّهم مشتركون فيها ، فمن استبدّ بشيء منها فقد خان ، ويحتمل الخيانة في أثمان بعض الناس بعضا من حقوق أنفسهم ، وقال الأخفش : ( قوله تعالى ( وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ ) عطفا على ما قبله من النّهي ، تقديره : ولا تخونوا أماناتكم ) . قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ؛ معناه : أنّ الإنسان ربّما يترك الجهاد ويخون في الأمانات لأجل الأولاد أو حرصا على المال ، وقد روينا أنّ أبا لبابة إنما حمله على ما فعل ماله وأهله وولده الذين كانوا في بني قريظة ؛ لأنه إنما ناصحهم لأجلهم وخان المسلمين بسببهم . قوله تعالى : وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 28 ) ؛ أي ثواب جسيم في الآخرة لمن لم يعص اللّه لأجل المال والذرّية . قوله عزّ وجلّ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ؛ أي إن تتّقوا اللّه في الأمانات ، فتمتنعوا من معاصيه بأداء فرائضه يجعل لكم نورا في قلوبكم تفرّقون به بين الحقّ والباطل . وقيل : يجعل لكم فتحا ونصرا ، كما قال تعالى : يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ « 3 » أراد به يوم عزّ المؤمنين وخذلان الكافرين .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الحديث ( 12359 ) . والواحدي في أسباب النزول : ص 158 . ( 2 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 12368 ) بمعناه . ( 3 ) الأنفال / 41 .