الطبراني

244

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وقال بعضهم معنى قوله تعالى : ( فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ ) الصّناديد ، وقوله تعالى : ( وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ) يعني السّفلة . إلا أنّ الأوّل أصحّ . وقيل : معناه : واضربوا منهم كلّ عضو أمكنكم ، وليس عليكم توقّي عضو دون عضو . وعن أبي سعيد الفاراني أنه كان يقول : ( أراد اللّه أن لا تتلطّخ سيوف المسلمين بفرث الكفّار ، فأمرهم أن يضربوا فوق الأعناق ويضربوا منهم كلّ بنان ) . والبنان في اللغة : هو الأصابع وغيرها من الأعضاء التي بها يكون قوام الإنسان صونا لمكانه وحياته ، مأخوذ من قولهم : أبنن الرجل بالمقام إذا أقام به . قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؛ أي ذلك الضّرب والقتل بأنّهم شاقّوا أولياء اللّه ورسوله ، والمشاقّة أن يصير أحد العدوّين في شقّ والآخر في شقّ آخر ، كما أن المجادلة أن يصير أحدهما في حدّ غير حدّ الآخر . وقوله تعالى : وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؛ أي ومن يخالف أولياء اللّه ، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 13 ) ، له . وأما إظهار التضعيف في موضع الجزم في قوله ( يُشاقِقِ ) فهو لغة أهل الحجاز ، وغيرهم يدغم أحد الحرفين في الآخر لاجتماعهما من جنس واحد ، كما قال تعالى في سورة الحشر وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ بقاف واحدة . وقوله تعالى : ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ ؛ معناه : إن الذي ذكرت لكم أيّها الكفار من العذاب العاجل في الدّنيا فذوقوه . ثم بيّن جلّ ذكره أن القتل في الدّنيا لا يصير كفارة لهم ، وأنّ اللّه سيعاقبهم في الآخرة بقوله : وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ ( 14 ) ، وإنما قال تعالى في عذاب الدّنيا ( فَذُوقُوهُ ) ؛ لأن الذوق يتناول اليسير من الشيء ، وكلّ ما يلقى الكفار من ضرب أو قتل في الدّنيا فهو قليل من العذاب يعجّل لهم ، ومعظم عذابهم يؤخّر إلى يوم القيامة . قوله تعالى : ( وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ ) في فتح ( أنّ ) وجهان أحدهما : لأنّها في موضع الرفع تقديره ذلكم فذوقوه ، وذلكم أنّ للكافرين . والثاني : لأنّها في موضع النصب ؛ تقديره : ذلكم فذوقوه واعلموا أنّ للكافرين . وقيل : واعلموا بأنّ للكافرين ، فلما حذف الباء نصب .