الطبراني

241

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

فساروا حتى نزلوا بدرا بجانب الوادي على غير ماء ، ونزل المشركون على جانبه الأقصى على الماء ، والوادي بينهما فباتوا ليلتهم تلك ، فألقى اللّه على المسلمين النّوم فناموا ، ثم استيقظوا وقد أجنبوا وليس معهم ماء ، فأتاهم الشيطان فوسوس إليهم وقال : لهم تزعمون أنّكم على دين اللّه وأنتم مجنبون تصلّون على الجنابة ، والمشركون على الماء . فأمطر اللّه الوادي وكان ذا رمل تغيب فيه الأقدام ، فاشتدّ الرمل وتلبّدت بذلك أرضهم وأوحل أرض عدوّهم ، وبنى المسلمون في مكانهم حياضا واغتسلوا من الجنابة وشربوا وسقوا دوابّهم وتهيّأوا للقتال ، فذلك قوله تعالى : ( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ) أي واذكروا إذ يلقي اللّه عليكم النّعاس ، والنّعاس : أول النّوم قبل أن يثقل . وقوله تعالى : ( أَمَنَةً مِنْهُ ) أي أمنا من اللّه منهم بوعد النّصر أمنا حتى غشيهم النعاس في حال الاستعداد للقتال « 1 » . قال ابن عبّاس : ( النّعاس عند القتال أمن من اللّه ، وفي الصّلاة من الشّيطان ) . قرأ ابن كثير وأبو عمرو ( يغشاكم ) واحتجّا بقوله تعالى : يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ « 2 » فجعل الفعل للنّعاس . وقرأ نافع ( يغشيكم ) على أنّ الفعل للّه تعالى ليكون مطابقا لقوله : ( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً ) واحتجّ بقوله تعالى : كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ « 3 » . وقرأ الحسن وأبو رجاء وعكرمة وأهل الكوفة وابن عامر ويعقوب ( يغشّيكم ) بالتشديد لقوله تعالى : فَغَشَّاها ما غَشَّى « 4 » . قوله تعالى : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ؛ يعني المطر ليطهّركم به من الجنابة والحدث ، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ؛ وسوسة الشيطان التي كان وسوس إليكم بأنّ عدوّكم قد غلب على الماء ، وأنّكم في مكان تسوح أقدامكم في الرمل . ويقال : أراد بالرّجز الجنابة التي أصابتهم بالاحتلام ، فإنّ الاحتلام إنّما يكون من وسوسة الشيطان .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الآثار ( 12258 - 12261 ) . ( 2 ) آل عمران / 154 . ( 3 ) يونس / 27 . ( 4 ) النجم / 54 .