الطبراني

24

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قوله تعالى : وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ ؛ أي إن كان عظم وثقل عليك يا محمّد إعراضهم عن القبول منك وقولهم : لولا أنزل عليه ملك ، وسؤالهم كلّ معجزة شاءوا ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ؛ فإن استطعت أن تطلب مسلكا نافذا في الأرض ؛ كنفق اليربوع ، فتدخله هاربا متواريا ؛ أو تطلب شيئا يسلمك إلى السّماء فتأتيهم بالآية التي سألوكها ، فافعل ، وليس في القرآن فافعل ؛ لأنه قد يحذف ما يكون في الكلام دليلا عليه مثل قول الرجل : إن رأيت أن تمضي معي إلى فلان ، ولا يذكر فافعل . وقد بيّن اللّه تعالى في هذه الآية : إنّ ما تأتي من الآيات بما أحبّ ، وإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بشر لا يقدر على الإتيان إلا بما شاء اللّه ، وكان قد علم أنه لو أنزل عليهم الملك وكلّ آية سألوها لم يؤمنوا ، فلم ينزل إلا ما تثبت به الحجّة عليهم ، فتؤجر بالصبر والثّبات على الإيمان بالآية . قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ؛ أي لو شاء اللّه لاضطرّهم إلى الإيمان كما قال : إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ « 1 » . وقيل : معناه : ولو شاء اللّه لأطبقهم على الهدى . وقيل : لوفّقهم . وقوله تعالى : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 35 ) ؛ أي لا تكوننّ من الجاهلين بترك الصّبر وإظهار الجزع ؛ واستشعار الغمّ لإعراضهم عنك ، فإن هذا من فعال الجاهلين . ويقال : معناه : لا تكوننّ من الجاهلين بمقدوري عليهم . قوله عزّ وجلّ : * إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ؛ معناه : إنّما يجيب الذين يقبلون الحقّ ، وأمّا الذي لا يقبل الحقّ فكأنه أصمّ أو ميّت ، قوله تعالى : وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ؛ أراد به كفار مكة ؛ سمّاهم موتى لأنّهم لم يتدبّروا ولم يتأمّلوا ، ولم ينتفعوا بحياتهم ، فكانوا بمنزلة الموتى وإن كانوا في صورة أحياء ، ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 ) ؛ في الآخرة فيجازيهم بأعمالهم .

--> ( 1 ) الشعراء / 4 .