الطبراني
211
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى ؛ يعني به أخذ الرّشوة في الحكم ؛ لتغيّر الحقّ إلى الباطل . وقال بعضهم : كانوا يحكمون بالحقّ لكن بالرّشوة ، وإنما سمي متاع الدنيا عرضا لقلّة بقائه كأنه يعرض فيزول . قال اللّه تعالى : هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا « 1 » أراد بذلك السّحاب . قوله تعالى : وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ؛ أي يقولون مع أخذهم الرّشوة أنه سيغفر لنا ذلك ، وما عملناه باللّيل كفّر عنا بالنهار ، وما عملناه بالنهار كفّر عنا بالليل ، وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ؛ معناه : وإن عرض لهم ذنب آخر عملوه ، وفي هذا بيان أنّهم كانوا يصرّون على الذنب وأكل الحرام ، وكانوا يستغفرون مع الإصرار ، فكيف يغفر لهم . قوله تعالى : أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ؛ معناه : ألم يؤخذ عليهم الميثاق في التّوراة ألّا يقولوا على اللّه إلا الصّدق ، وكان في التوراة أنّ من ارتكب ذنبا عظيما لم يغفر له بالتوبة ، وَدَرَسُوا ما فِيهِ ؛ فكانوا يدرسون ما في التّوراة ، ويذكرون ما أخذ عليهم من المواثيق ، يقولون مع إصرارهم على الذّنوب : سيغفر لنا . وقال الحسن : ( معنى الآية أنّهم كانوا يأخذون الدّنيا من كلّ وجه حرّم عليهم ويمنعون كلّ حقّ ، وينفقون في كلّ سرف ، ويتمنّون مع هذه الأشياء على اللّه الأمانيّ ، ويقولون : سيغفر لنا ، وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه كما أخذوا ، ألم يعرفوا في الكتاب خلاف ما هم عليه ) . وقرأ السلميّ : ( وادّارسوا فيه مثل ادّاركوا ) « 2 » . قوله تعالى : وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ؛ أي يتّقون المعاصي والشّرك وأكل الحرام ، أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 169 ) ؛ ما يدرسون في كتابهم ، وقيل : أفلا يعقلون أن الإصرار على الذنب ليس من علامة المغفور لهم .
--> ( 1 ) الأحقاف / 24 . ( 2 ) في اللباب في علوم الكتاب : ج 9 ص 372 ؛ قال : ( ( وقرأ علي رضي اللّه عنه وأبو عبد الرحمن السلمي . . . ) ) وذكره .