الطبراني
207
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
ولم يذكر في الآية حال الفرقة الثالثة ، وقد روي عن ابن عبّاس أنه قال : ( كان القوم ثلاث فرق ، فكانت الفرقة الوسطى تعمل بالسّوء ، والفرقة اليمنى تنهى وتحذّرهم بأس اللّه ، وكانت الأخرى تكفّ ألسنتها وتمسك أيديها . فلمّا عملت الوسطى بذلك زمانا ، وكثرت أموالهم ، ولم ينزل بهم عقوبة ، استبشروا وقالوا ما نرى السّبت إلّا قد حلّ لنا وذهبت حرمته ، وكانوا نحوا من سبعين ألفا ، وكانت الفرقة النّاهية نحو اثنى عشر ألفا ، يقولون لهم : لا تعدوا ، ولا تأمنوا من عذاب اللّه ، فلم يتّعظوا فأصبحوا وقد مسخهم اللّه قردة خاسئين ، فمكثوا كذلك ثلاثة أيّام عبرة للنّاظرين ، ثمّ ماتوا ) « 1 » . قال ابن عبّاس : ( ( وأنجينا الّذين ينهون عن السّوء ) وليت شعري ما صنع اللّه بالّذين لم ينهوا ) « 2 » ، وقال عكرمة : ( بل أهلكهم اللّه أيضا وما نجّا إلّا الّذين ينهون عن السّوء ، وهلك الباقون بظلمهم بالاستحلال وترك الأمر بالمعروف ) . فقال ابن عبّاس : ( نزل واللّه بالمداهن ما نزل بالمستحلّ ) . وقال الحسن : ( نجت فرقتان ، وهلكت فرقة ) وأنكر القول الذي ذكر له عن ابن عبّاس ، وقال : ( ما هلكت إلّا فرقة ؛ لأنّه ليس شيء أبلغ في الأمر بالمعروف والوعظ من ذكر الوعيد ، وقد ذكرت الفرقة الثّالثة الوعيد فقالت : لم تعظون قوما اللّه مهلكهم أو معذّبهم عذابا شديدا ) وقول الحسن أقرب إلى ظاهر الآية « 3 » . قوله تعالى : فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ ؛ أي أبوا أن يرجعوا عن المعصية ، والعاتي هو شديد الدّخول في الفساد المتمرّد الذي لا يقبل الموعظة . وقوله تعالى : قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ؛ ( 166 ) أي مطرودين مبعدين عن كلّ خير ، من قولهم : خسّأت الكلب إذا قلت له : اخسأ على الطرد له . قال ابن عبّاس : ( يا لها من أكلة ما أوخمها أن مسخوا قردة في الدّنيا وفي الآخرة النّار ) .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 11867 ) بمعناه ، و ( 11868 و 11869 ) ( 2 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 11868 - 11870 ) . ( 3 ) وذهب ابن عباس من ثمّة إلى هذا القول ، نقله السيوطي في الدر المنثور : ج 3 ص 560 عن عكرمة وقال : ( ( أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ) ) .