الطبراني
198
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ ؛ لا تفرّحهم عليّ ولا تظنّ أنّي رضيت بفعل القوم الظالمين ، وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 150 ) ؛ فلا تجعلني مع عبدة العجل في الغضب عليّ ، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين ، وأحبّ إلى بني إسرائيل من موسى . قرأ ابن عبّاس والكوفيّون إلّا حفصا ( يا ابن أمّ ) بكسر الميم هنا ، وفي طه فحذفوا ياء الإضافة ؛ لأنّ مبنى النداء على الحذف ، وبقيت الكسرة على الميم دليلا على ياء الإضافة كقوله ( يا عباد ، ويا قوم ) ، وقرأ ابن السّميقع ( يا ابن أمّي ) باثبات الياء ، وقرأ الباقون بفتح الميم على معنى يا ابن أمّاه « 1 » . وقوله تعالى ( اسْتَضْعَفُونِي ) بعبادة العجل ، وقوله تعالى : ( فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ ) ، قرأ مجاهد ومالك بن دينار : ( فلا تشمت ) بفتح التاء والميم « 2 » ، ورفع ( الأعداء ) ، والشّماتة هي سرور العدوّ . فإن قيل : لم جاز لموسى أن يجرّ برأس هارون ولحيته ، والأنبياء لا يجوز لأحد أن يستخفّ بهم ، وكان هارون نبيّا ؟ قيل : إنّ هذا كان منه على جهة العتاب لا على جهة الهوان . وقيل : لأنه أجراه مجرى نفسه من حيث أنّهما كانا في النبوّة والأخوّة كالنفس الواحدة ، وقد يقبض الإنسان عند الغيظ على لحية نفسه ، ويعضّ إبهاميه وشفتيه ، كما روي ( أنّ عمر رضي اللّه عنه كان إذا حزبه أمر فتل شاربه ) . إلّا أنّ هارون خاف أن يتوهّم جهّال بني إسرائيل أنّ موسى غضبان عليه كغضبه على من عبد العجل ، فقال : ( ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي . . . ) الآية . وقيل : إنّ موسى فعل هذا بهارون في حالة الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه ، وكان ذلك صغيرة منه ، كما ألقى الألواح لشدّة الغضب ، وكان الواجب عليه أن يعظّمها . قوله تعالى : قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي ؛ ما كان منه من التقصير في ردّ القوم عن عبادة العجل ، وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ ؛ أي في جنّتك ، وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 151 ) ؛ أي أرحم بنا منّا ، وأرحم بنا من أبنائنا وأمّهاتنا .
--> ( 1 ) ينظر : الجامع لأحكام القرآن : ج 7 ص 290 . ( 2 ) ينظر : الجامع لأحكام القرآن : ج 7 ص 291 .