الطبراني

152

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ « 1 » ولم يقل : منها ؛ لأنه أراد بالقسمة الميراث والمال ، وكذلك قوله تعالى : فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ « 2 » ، والصّاع مذكّر إلّا أنه أراد به السرقة والسّقاية . وقال الكسائيّ : ( أراد إنّ إتيان رحمة اللّه قريب ، كقوله : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً « 3 » ؛ أي لعلّ إتيانها قريب ) . قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ؛ قرأ عاصم ( بشرا ) بالباء المضمومة والشّين المجزومة ؛ يعني أنه ينشر بالمطر ، يدلّ عليه قوله : الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ « 4 » . وقرأ ( بشرا ) بضمّ الباء والشّين على جمع ( بشر ) ؛ مثل نذر ونذير . وقرأ ابن عامر : ( نشرا ) بالنون المضمومة وإشكال الشّين . وقرأ حمزة والكسائيّ : ( نشرا ) بالنون المفتوحة ، وجزم الشّين على التخفيف . وقرأ مسروق : ( نشرا ) بفتحتين ؛ أراد منشورا . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : ( نشرا ) بالنون المضمومة وضمّ الشّين . وقرأ بعضهم : ( وهو الّذي يرسل الرّيح ) بلفظ الوحدان . واختار أبو عبيد لفظ الجماعة ، وكان يقول : ( كلّ ما في القرآن من الرّياح ذكر فهو للرّحمة ، وما كان من ذكر الرّياح أنثى فهو للعذاب ) . واحتجّ بما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان يقول إذا هبّت ريح : [ اللّهم اجعلها رياحا ، ولا تجعلها ريحا ] « 5 » . والنّشر : جمع النّشور ؛ وهي الرّياح الّتي تهبّ من كلّ جانب ؛ فتثير السّحاب كصبور وصبر . ومن قرأ ( نشرا ) بضمّة واحدة فللتخفيف ، كما يقال : رسل ورسل . ومن قرأ ( نشرا ) بنصب النون على معنى ننشر السّحاب نشرا . والنّشر خلاف الطّيّ كنشر الثّوب بعد طيّه ، قال الفرّاء : ( النّشر من الرّياح : الطّيّبة اللّيّنة الّتي تنشئ السّحاب ) « 6 » . ومن قرأ ( بشرا ) بالباء والضمّ ؛ فهو جمع بشير .

--> ( 1 ) النساء / 8 . ( 2 ) يوسف / 76 . ( 3 ) الأحزاب / 63 . ( 4 ) الروم / 46 . ( 5 ) أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب العظمة : ذكر الرياح : الحديث ( 73 / 873 ) . ( 6 ) قاله الفراء في معاني القرآن : ج 1 ص 381 .