الطبراني
12
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله عزّ وجلّ : قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ؛ أي قل يا محمّد لكفار مكّة : لمن ملك ما في السّموات والأرض ، فإن أجابوك وقالوا : للّه ، وإلا فقل لهم ( ( للّه ) ) « 1 » إذ هم يعلمون ويقرّون أن الأصنام لا تملك خلق شيء ، وإنّما اللّه يملك ذلك . وقوله تعالى : ( كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) أي أوجب على نفسه الرّحمة فضلا وكرما . أو قيل : معناه : أوجب على نفسه الثواب لمن أطاعه ؛ وقيل : أوجب على نفسه الرحمة بإمهال من عصاه ؛ ليستدرك ذلك بالتوبة ولم يعاجله بالعقوبة ، وهذا استعطاف من اللّه عزّ وجلّ للمتولّين عنه إلى الإقبال ، وإخبار بأنه رحيم بعباده لا يعجّل عليهم بالعقوبة ، ويقبل منهم الإنابة والتوبة . وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ لمّا خلق اللّه تعالى الخلق ؛ كتب فوق العرش : إنّ رحمتي سبقت غضبي ] « 2 » . وقال عمر رضي اللّه عنه لكعب الأحبار : ( ما أوّل شيء ابتدأ اللّه به ؟ فقال كعب : كتب اللّه كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد ؛ كتابه الزّبرجد واللّؤلؤ والياقوت : إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا ، سبقت رحمتي غضبي ) « 3 » . وفي الخبر : أنّ للّه تعالى مائة رحمة كلّها ملئ السّموات والأرض ، فأهبط اللّه تعالى منها رحمة واحدة لأهل الدّنيا ، فهم بها يتراحمون ؛ وبها يتعاطفون ؛ وبها يتراحم الإنس والجنّ وطير السّماء وحيتان الماء ؛ وما بين الهواء ودواب الأرض وهو امّها ، وأخّر تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة . قوله تعالى : لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ؛ بدل من الرحمة وتفسير لها ، فكأنّه قال : ليجمعنّ بين المؤمنين والكفار ، بين المؤمن والكافر في الرّزق والنّعمة والدّولة إلى يوم القيامة ، لا شكّ فيه عند المؤمنين أنه حقّ كائن ، ثم تكون العاقبة بدل البعث للمؤمنين .
--> ( 1 ) ( ( للّه ) ) سقطت من المخطوط . ( 2 ) أخرجه البخاري في الصحيح : كتاب بدء الخلق : الحديث ( 3194 ) . ومسلم في الصحيح : كتاب التوبة : باب في سعة رحمة اللّه : الحديث ( 14 / 2751 ) واللفظ له . ( 3 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص ( 10211 ) .