الطبراني

28

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قوله تعالى : فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ؛ أي فإن خاصموك يا محمّد في الدّين ؛ فقل : انقدت للّه وحده بلساني وجميع جوارحي ، وإنّما خصّ الوجه لأنه أكرم جوارح الإنسان وفيه بهاؤه وتعظيمه ، فإذا خضع وجهه لشيء فقد خضع له سائر جوارحه التي دون الوجه . قال الفرّاء : ( معناه : أخلصت عملي للّه ، والوجه العمل ) . قوله تعالى : ( وَمَنِ اتَّبَعَنِ ) في موضع رفع عطفا على إنّي أسلمت ؛ أي أسلمت ومن اتّبعني أسلم أيضا كما أسلمت ، والأصل إثبات الياء في ( تبعني ) لكن حذفت للتخفيف . قوله تعالى : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ ؛ الذين أوتوا الكتاب هم اليهود والنصارى ؛ والأمّيّون مشركو العرب ؛ أي قل لهم أخلصتم كما أخلصنا ، فَإِنْ أَسْلَمُوا أخلصوا ؛ فَقَدِ اهْتَدَوْا ؛ من الضلال ؛ وَإِنْ تَوَلَّوْا ؛ عن الإسلام وقالت النّصارى المسيح ابن اللّه ، وقالت اليهود عزير ابن اللّه ؛ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ ؛ بالرّسالة . قوله تعالى : وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 20 ) ؛ أي عالم بمن يؤمن ومن لا يؤمن ، لا يفوته شيء من أعمالهم التي يجازيهم بها . قال الكلبيّ : ( لمّا نزلت هذه الآية ذكر ذلك لهم النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فقال أهل الكتاب : أسلمنا ، قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لليهود : [ تشهدون أنّ عيسى كلمة اللّه وعبده ورسوله ؟ ] قالوا : معاذ اللّه ؛ ولكنّه ابن اللّه . فذلك قوله تعالى : ( وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ ) . ( وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ) أي عليم بصير بمن يؤمن وبمن لا يؤمن ؛ وبأهل الثّواب وبأهل العقاب . فإن قيل : قوله : ( وَمَنِ اتَّبَعَنِ ) عطف على المضمر في قوله : ( أَسْلَمْتُ ) والعرب لا تعطف الظاهر على المضمر ؟ قيل : إنّما لا تعطف إذا لم يكن بين الكلامين فاصل ، أمّا إذا كان بينهما فاصل جاز .