الطبراني
511
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وقال بعضهم : معناه : ( وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ ) من الأعمال الظاهرة ، ( أَوْ تُخْفُوهُ ) من الأحوال الباطنة ، ( يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) العائد على أفعال العارف على أحواله « 1 » . وقال بعضهم : إن اللّه تعالى يقول يوم القيامة : هذا يوم تبلى السّرائر وتحرج الضمائر ، وإن كتّابي لم يكتبوا إلا ما ظهر من أعمالكم ، وأنا المطّلع على سرائركم مما لم يعلموه ولا يكتبوه ، فأنا أخبركم بذلك وأحاسبكم ؛ لتعلموا أنه لا يعزب عنه مثقال ذرّة من أعمالكم ، ثم أغفر لمن شئت وأعذب من شئت . فأما المؤمنون فيخبرهم بذلك كله ويغفر لهم ، ولا يؤاخذهم بذلك إظهار لفضله . وأما الكافرون فيخبرهم ويعاقبهم عليها إظهارا لعدله « 2 » . فمعنى الآية : ( وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ ) فتعملوا به ، ( أَوْ تُخْفُوهُ ) مما أضمرتم وأسررتم ونويتم ، ( يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) ويعرّفكم إياه ويغفر للمؤمنين ، ويعذب الكافرين ، يدلّ عليه قوله تعالى : ( يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) ولم يقل : يؤاخذكم به اللّه . والمحاسبة غير المعاقبة فالحساب ثابت ، والعقاب ساقط . وقال الحسن ابن مسلم : ( يحاسب اللّه المؤمن بالمنّة والفضل ؛ والكافر بالحجّة والعدل ) . وقيل في تأويل الآية : أنّها وردت فيما يؤاخذ به العبد فيما بينه وبين اللّه تعالى ، وتأويل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : [ إنّ اللّه تجاوز لأمّتي ما حدّثت به أنفسها ما لم يعملوا أو يتكلّموا به ] « 3 » : إنّما ورد فيما يلزم العبد من أحكام الدنيا ، فلا يقع عتقه ولا طلاقه ولا بيعه ولا هبته بالنيّة ما لم يتكلّم .
--> - الحمّى والنّكبة ، وحتّى الشّوكة والبضاعة يضعها في كمّه فيفقدها ، فيروع لها فيجدها في ضبنه ، حتّى أنّ المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التّبر الأحمر من الكير ] . أخرجه الإمام أحمد في المسند : ج 1 ص 218 . ( 1 ) وذلك أن أفعال الجوارح إذا خلت عن أفعال القلوب ، لا يترتب عليها عقاب ، كأفعال النائم والساهي ، ويدل عليه حديث علي رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : [ إنّ اللّه تجاوز لأمّتي عن الخطأ والنّسيان ، وما استكرهوا عليه ] . ( 2 ) جامع البيان : تفسير الآية : النصوص ( 5082 - 5087 ) عن الضحاك عن ابن عباس . ( 3 ) تقدم .