الطبراني
470
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
على ساحل البحر ، تنقضّ عليها طيور السّماء فتأخذ منها بأفواهها فتأكله ، ويسقط من أفواهها في البحر فيأكل منه الحيتان ، وتجيء السّباع فتأخذ منه عضوا . فوقف متعجّبا ! ! وقال : ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى . قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ) أي أولم تصدّق بأنّي أحيي الموتى ؟ ( قال بلى ) عرفت ، ولكن أحببت أن أعلم كيف تحيي هذه النّفس الّتي أرى بعضها في بطون السّباع ؛ وبعضها في بطون الحيتان ؛ وبعضها في حواصل الطّير . فذلك قوله تعالى : ( وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي » . وقيل : معنى ( وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) أي ليسكن قلبي أنك الذي أعطيتني ما سألتك . وقيل : إنك اتّخذتني خليلا . قالَ ؛ اللّه تعالى : فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً ؛ وذلك أنّ إبراهيم عليه السّلام لما مرّ بالجيفة وقد توزّعتها الطيور والسباع والحيتان ، تعجّب وقال : يا رب قد علمت بأنك تجمعها من بطون السباع وحواصل الطير وبطون الحيتان ، فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك فأزداد يقينا ؟ قال اللّه تعالى له : ( أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ . قالَ بَلى ) يا رب آمنت وليس الخبر كالمعاينة والمشاهدة . وقال ابن زيد : ( مرّ إبراهيم عليه السّلام بحوت ميت نصفه في البحر ونصفه في البرّ ، فما كان في البحر فدوابّ البحر تأكله ، وما كان في البرّ فدوابّ البرّ تأكله ، فقال إبليس لعنة اللّه عليه : يا إبراهيم ، متى يجمع اللّه هذا من بطون هؤلاء ؟ ! فقال : ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى . قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ . قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) بذهاب وسوسة الشّيطان ويصير الشّيطان خاسئا صاغرا ) . وروي أنّ نمرود قال لإبراهيم : أنت تزعم أن ربك يحيي الموتى وتدعوني إلى عبادته ، فقل له يحيي الموتى إن كان قادرا ، وإلّا أقتلك . فقال إبراهيم : ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى . قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ) بأني أحييهم ، ف ( قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) بقوة حجّتي ونجاتي من القتل ، فإنّ عدوّ اللّه توعّدني بالقتل إن لم تحيي له ميتا . وقال ابن عباس وابن جبير والسديّ : ( لمّا اتّخذ اللّه إبراهيم خليلا ، سأل ملك الموت ربّه أن يأذن له فيبشّر إبراهيم بذلك ، فأذن له ، فأتى إلى إبراهيم وقال : يا إبراهيم ، جئت أبشّرك بأنّ اللّه اتّخذك خليلا ، فحمد اللّه تعالى ؛ وقال : ما علامة