الطبراني
468
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
فظنّ أنّ مقدار لبثه يوم ، قالَ كَمْ لَبِثْتَ ؟ ف قالَ لَبِثْتُ يَوْماً ، فلمّا نظر إلى الشّمس قد بقي منها شيء ، فقال : أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ؛ فنودي ؟ . قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ ؛ ميتا ، فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ ، من التّين والعنب ، وَشَرابِكَ ، العصير ، لَمْ يَتَسَنَّهْ ؛ أي لم يتغيّر طعمها بعد مائة عام ولم تغيّرها السّنون ؛ فنظر فإذا بالعنب والتّين كما شاهده وبالعصير طريّا . ثمّ قيل له : وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ ؛ فنظر فإذا هو عظام بيض تلوح قد تفرّقت أوصاله ، فسمع صوتا : ( أيّتها العظام البالية إنّي جاعل فيكنّ روحا فاجتمعن ) فارتهشت العظام وسعى بعضها إلى بعض ، قال : فرأيت الصّلب يسعى كلّ فقرة منها إلى صاحبتها ، ثمّ رأيت الوركين يسعيان إلى مكانهما ؛ والسّاقين إلى مكانهما ؛ والعطفين « 1 » إلى مكانهما ، ثمّ رأيت كلّ الأضلاع يسعى كلّ واحد منهم إلى فقرته ، ثمّ رأيت الكعبين سعيا إلى مكانهما ؛ والذّراعين إلى مكانهما ، ثمّ رأيت العنق يسعى كلّ فقرة منه إلى صاحبتها ، ثمّ جاء الرّأس إلى مكانه ، ثمّ رأيت العصب والعروق واللّحم ألقي عليه ، ثمّ بسط عليه الجلد ، ثمّ دري عليه الشّعر ، ثمّ نفخ فيه الرّوح ، فإذا هو قائم ينهق . فخرّ عزير ساجدا للّه تعالى ؛ وقال عند ذلك : ( أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . قال ذلك حين تبيّن له من كمال القدرة البلاء في حماره ؛ والموت في نفسه ؛ والبقاء في العنب والعصير اللّذين هما من أسرع الأشياء فسادا أو تغيّرا ، ثمّ مشاهدة البعث بعد الموت « 2 » . قال ابن عباس : ( وبعث وهو شابّ ابن أربعين سنة على السّنّ الّذي أميت عليها ، وكان ابنه في ذلك الوقت ابن عشرين سنة ، فصار لابنه مائة وعشرون سنة ، ولعزير أربعين سنة على السّنّ الّتي أميت عليها ، فذلك قوله تعالى : وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ؛ ثمّ إنّه رجع إلى بني إسرائيل وهو يقرأ التّوراة كلّها عن ظهر قلبه ، فأملاها عليهم لم يخرم منها حرفا واحدا ، وكانت التّوراة قد ذهبت عنهم ،
--> ( 1 ) العطف : المنكب ، وعطفا الدابّة والرّجل : جانباه من لدن رأسه إلى وركه . ( 2 ) أخرج معناه الطبري في تفسير الآية بأسانيد عن ابن عباس ووهب بن منبه .