الطبراني
460
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
كلّمه اللّه من غير سفير ، ( وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ ) فوق بعض ( دَرَجاتٍ ) ؛ أي اتّخذ اللّه إبراهيم خليلا ، وسخّر لسليمان الريح والجنّ والشياطين وعلّمه منطق الطير . وقال مجاهد : ( وأراد بهذه الآية فضيلة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم على جميع الأنبياء صلوات اللّه عليهم كما قال تعالى : وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ « 1 » ) « 2 » . وقيل : هو إدريس كما قال تعالى : وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا « 3 » . قوله تعالى : وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ؛ أي أعطيناه الدلالات على إثبات نبوّته من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والإنباء بما غاب عنه ، ( وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) أي قوّيناه وأعنّاه بجبريل الطاهر حين أرادوا قتله حتى رفعه اللّه إلى السماء « 4 » . وقال الحسن : ( الرّوح جبريل ، والقدس هو اللّه تعالى ؛ فيصير تقدير الآية : وقوّيناه بروح اللّه تعالى ) . وعن ابن عباس أنه قال : ( القدس اسم اللّه الأعظم الّذي كان به عيسى عليه السّلام يحيي الموتى ) « 5 » . قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ؛ أي لو شاء اللّه لم يقتتل الذين من بعد الرسل من بعد ما وضحت لهم الحجج والدلائل كما قال تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى « 6 » . وقيل : معناه : ولو شاء اللّه لأنزل آية تضطرّهم إلى الإيمان وتمنعهم عن الكفر كما قال تعالى : إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ « 7 » . وقوله تعالى : ( وَلكِنِ اخْتَلَفُوا ) أي شاء اختلافهم فاختلفوا . ويقال : لم يلجئهم إلى الإيمان ؛ لأنّ التكليف لا يحسن مع الضرورة ، والجزاء لا يحسن إلا مع التّلجئة . قوله تعالى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ) أي بالكتب والرسل .
--> ( 1 ) الانشراح / 4 . ( 2 ) ذكر الطبري معناه في جامع البيان : النص ( 4491 ) . ( 3 ) مريم / 57 . ( 4 ) ذكره الطبري في جامع البيان : تفسير الآية . ( 5 ) رواه الطبري في جامع البيان : النص ( 1232 ) : تفسير الآية 87 من سورة البقرة . ( 6 ) الأنعام / 35 . ( 7 ) الشعراء / 4 .