الطبراني

441

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قال : ألا أيّتها الأجساد البالية الخاوية ، إنّ اللّه يأمركنّ أن تقمن بإذن اللّه ، فقاموا . فرجعوا إلى بلادهم وأقاموا وتوالدوا ، وكان أحدهم إذا اكتسى ثوبا صار عليه كفنا يكون فيه ريح الموت ) . وقال وهب : ( أصابهم بلاء وشدّة من الزّمان ، فشكوا ما أصابهم فقالوا : يا ليتنا قد متنا فاسترحنا ممّا نحن فيه . فأوحى اللّه تعالى إلى حزقيل : إنّ قومك قد صاحوا من البلاء ، وزعموا أنّهم لو ماتوا استراحوا ، وأيّ راحة في الموت ؛ أيظنّون أنّي لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت ! فانطلق إلى موضع كذا ، فإنّ فيه أمواتا ، فقال اللّه تعالى : يا حزقيل ، نادهم . وكانت أجسادهم وعظامهم قد تفرّقت ؛ فرّقتها الطّير والسّباع ) فنادى حزقيل بالنداء الذي ذكرناه . ومعنى الآية : ألم يعلم الذين ، وقيل معناه : ألم ينته علمك إلى خبر هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم ، والمراد بالرؤية رؤية القلب لا رؤية العين . وقوله تعالى : ( حَذَرَ الْمَوْتِ ) أي خرجوا هاربين حذر الموت ، وانتصب على أنه مفعول له . وظاهر هذا يقتضي أنّ خروجهم كان على جهة الفرار من الوباء على ما فسّره السديّ . وقيل في معنى : ( أُلُوفٌ ) أي مؤتلفوا القلوب لم يخرجوا من تباغض ، ومعنى : ( فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ) أي أماتهم ، وقيل : أماتهم اللّه بشيء يسمعوه ، وسمعت الملائكة . قوله عزّ وجلّ : إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ؛ أي متفضّل على جميع الناس كما تفضّل على هؤلاء بأن أحياهم بعد الموت وأراهم البصيرة لا غاية بعدها ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 243 ) ؛ ربّ النّعم . وفي الآية دلالة على أن الموت لا ينفع الهرب منه كما قال تعالى : أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ « 1 » وقال تعالى : قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ « 2 » . وإذا كان الآجال مؤقتة محصورة لا يقع فيها تقديم وتأخير كما قدّر اللّه تعالى ؛ لم ينفع الفرار من الطاعون وغير ذلك .

--> ( 1 ) النساء / 78 . ( 2 ) الأحزاب / 16 .