الطبراني
412
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وإنّما جعل دخول الزوج الثاني بها شرطا لمفهوم الآية وورود السّنة أما مفهوم
--> - أما قول القرطبي : « وأظنهما - أي السعيدين - لم يبلغهما حديث العسيلة ، أو لم يصح عندهما ؛ فأخذا بظاهر القرآن ، وهو قوله : حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ واللّه أعلم » . فأجاب عليه ابن كثير وذكر ما رواه النسائي بسنده عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال : « وهذا من رواية سعيد بن المسيب عن ابن عمر مرفوعا ؛ على خلاف ما يحكى عنه ، فبعيد أن يخالف ما رواه من غير مستند » . تفسير القرآن العظيم : ج 1 ص 277 . وما قاله ابن كثير منصف ؛ كما أنصفه القاضي ابن العربي ، فله مستند في ذلك ؛ ووجه استدلال في المسألة ؛ أن النكاح حقيقة في العقد على الصحيح . في المفردات قال الراغب : « أصل النكاح العقد ؛ ثم استعير للجماع ، ومحال أن يكون في الأصل للجماع ثم استعير للعقد ؛ لأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره : كاستقباحهم تعاطيه » . وعلى هذا فالآية تقتضي من عقد عليها عقدا صحيحا ، ثم طلقت قبل الدخول أو مات عنها زوجها ، حلت بذلك للأول ، وهذا ما ذهب إليه الإمامان السعيدان . وأما وجه الاعتراض على مذهب السعيدين ، فإنه قد يأتي من جهة أن العرب فرّقت بين العقد والوطء بفرق لطيف ، فإذا قالوا : ( نكح فلان فلانة أو ابنة فلان ) أرادوا عقد عليها . وإذا قالوا : ( نكح امرأته أو زوجته ) فلا يريدون غير المجامعة . وعلى هذا فالآية يفهم منها إرادة الوطء لا العقد فحسب . وهو وجه يعضده الحديث عن عائشة رضي اللّه عنها في حديث رفاعة القرظي ، إن لم يكن معنى آخر يصرف دلالة النص عن أصله بأن المراد بالنكاح الوطء لا العقد . وعلى ما يبدو في استدلال سعيد بن المسيب ، أن الحديث لا يخرج دلالة النص القرآني عن حقيقة العقد ، إلا في حال تبييت النية والمغالطة ؛ فالحديث كما أخرجه البخاري في الصحيح ، وفيه قالت : « واللّه مالي إليه من ذنب ، إلّا أنّ ما معه ليس بأغنى عنّي من هذه - وأخذت هدبة من ثوبها . فقال - أي عبد الرحمن الزوج الثاني - : كذبت واللّه يا رسول اللّه ، إنّي لأنفضها نفض الأديم ، ولكنّها ناشز تريد رفاعة - أي الزوج الأول - فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ فإن كان ذلك ، لم تحلّي له - أو لم تصلحي له - حتّى يذوق عسيلتك ] قال : وأبصر معه ابنين له ، فقال : [ بنوك هؤلاء ؟ ] قال : نعم . قال : [ هذا الّذي تزعمين ما تزعمين ؟ فو اللّه لهم أشبه به من الغراب بالغراب ] . ومن قراءة النص ، يفهم أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أشار إليها بذوق العسيلة مع وجود فساد نيتها وليس قبل ، مما يشير إلى سلامة قول سعيد بن المسيب . أما إذا لم تكن نيّة فاسدة ، فالأمر إلى ما قال سعيد ابن المسيب وسعيد بن جبير لا محالة ، فالأصل في صحة النكاح الثاني سلامة القصد لا التحليل - لنكاح الزوج الأول . -