الطبراني

410

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وروي أن امرأة نشزت فرفعت إلى عمر رضي اللّه عنه فأباتها في بيت الزّبل ثلاث ليال ثم دعا بها فقال رضي اللّه عنه : ( كيف وجدت مبيتك ؟ ) فقالت : ما بتّ ليالي منذ كنت عنده أقرّ لعيني منهنّ . فقال عمر رضي اللّه عنه لزوجها : ( اخلعها ، ولو بقرطها ) « 1 » . قوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها ؛ الآية ؛ أي هذه الآيات المنزّلة من الأوامر والنواهي فرائض اللّه وأحكامه ( فَلا تَعْتَدُوها ) أي فلا تتجاوزوها ، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ ؛ أي من يتجاوز أحكام اللّه ويترك ما أمر اللّه به أو يعمل بما نهاه ، فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 229 ) ؛ الضّارّون لأنفسهم بمعصيتهم . وإذا كان النشوز من قبل الزوج ، فلا يحلّ له أخذه شيئا منها ديانة ؛ لقوله تعالى : وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً « 2 » . واختلف السلف رضي اللّه عنهم في الخلع ؛ هل هو طلاق أو فسخ ؟ فذهب بعضهم إلى أنه فسخ ؛ وهي رواية عن ابن عباس ، واستدلّوا بظاهر هذه الآية ؛ فقالوا : إنّ اللّه ذكر الطلاق الثالث بعد هذا بقوله : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ؛ فلو كان الخلع طلاقا لجعل الطلاق أكثر من ثلاث . وأكثر فقهاء الأمصار قالوا : الخلع طلاق ؛ وهو « رواية عن » « 3 » عمر وعثمان وابن مسعود والحسن وإبراهيم النخعي وغيرهم . وليس في ظاهر هذه الآية أنّ الخلع فسخ ؛ لأن قوله تعالى : ( وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا ) حكم مبتدأ ؛ إذ ( الواو ) للاستئناف ؛ إلا أن يقوم دليل الجمع ، فكأنّ اللّه تعالى ذكر في أول هذه الآية حكم الطلاق بغير بدل وخيّر الزوج بين أن يراجعها في العدة أو يتركها حتى تنقضي عدتها ، ثم استأنف بيان حكم الطلاقين إذا كان على وجه الخلع ، وأبان عن موضع الحظر والإباحة فيها ، ثم ذكر حكم الطلقة الثالثة بالآية التي بعد هذه الآية . وهذا مما يستدلّ به على أن المختلعة يلحقها الطلاق ؛ لأن عامة الفقهاء اتفقوا على أن تقدير الآية وترتيب أحكامها على ما وصفناه ؛ فحصلت التطليقة الثالثة بعد الخلع . شرط في إباحتها للأول ؛ إلا ما روي عن سعيد بن المسيب رواية شاذة : أنّه لم يجعله شرطا ؛

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص ( 3841 ) بإسنادين ولفظين ، و ( 3842 ) . ( 2 ) النساء / 20 . ( 3 ) « رواية عن » ليس في الأصل المخطوط ، وأضفناه لضرورة السياق .