الطبراني
395
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
فقلت يمين اللّه أبرح قاعدا * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي أراد بذلك : لا أبرح ؛ وكان أبو العباس « 1 » ينكر إضمار حرف النفي في هذه الآية ويقول : ( هذا إنّما يكون في تصريح اليمين ) كقولك : واللّه أقوم ؛ بمعنى واللّه لا أقوم . وأما في مثل هذا الموضع ، فلا يجوز حذف حرف النفي . قال : ( والصّواب أنّ معناه : لا تجعلوا اللّه عرضة لأيمانكم كراهة أن تبرّوا ) . فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ؛ ونظير هذا قوله تعالى : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ « 2 » . وذهب بعض المفسرين إلى أنّ معنى الآية : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أي لا تعترضوا باليمين باللّه تعالى في كلّ حقّ وباطل ؛ وهو نهي عن كثرة الحلف ، لما في ذلك من الجرأة على اللّه عزّ وجلّ والابتذال لاسمه في كلّ حقّ وباطل . يقال : هذه عرضة لك ؛ أي عدة لك تبتذلها فيما تشاء . ومعنى ( أَنْ تَبَرُّوا ) على هذا الإثبات ؛ أي لا تحلفوا في كلّ شيء لأن تبرّوا إذا حلفتم وتتّقوا المآثم فيها . ويجوز أن يكون قوله تعالى : ( أَنْ تَبَرُّوا ) مبتدأ ، وخبره محذوف تقديره : أن تبرّوا وتتّقوا وتصلحوا بين النّاس ؛ أي أولى . فعلى هذا يكون موضع ( أَنْ تَبَرُّوا ) رفعا . وعلى التأويل الأول يكون نصبا ؛ لأن معناه : لأن تبرّوا ، موضعه نصب بنزع الخافض . وقال مقاتل : ( نزلت في أبي بكر الصّدّيق رضي اللّه عنه حين حلف لا يصل ابنه عبد الرّحمن حتّى يسلم ) « 3 » . وقال ابن جريج : ( نزلت في أبي بكر الصّدّيق رضي اللّه عنه حين حلف لا ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفك ) « 4 » .
--> ( 1 ) أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد ، شيخ أهل النحو ، وحافظ علم العربية ، وكان عالما فاضلا موثوقا به في الرواية ، توفي في شوال سنة خمس وثمانين ومائتين . ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد : الرقم ( 1814 ) : ج 4 ص 151 . ( 2 ) النور / 22 . ( 3 ) قاله مقاتل في التفسير : ج 1 ص 119 . ( 4 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص ( 3496 ) .