الطبراني
39
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
فيرتبط التفسير بتكوين المعنى في الذهن بما يخدم في فهم النصّ ووعيه له . والتأويل هو ردّ الشيء إلى الغاية المرادة منه علما كان أو عملا ؛ أي إرجاعه إلى أصله ؛ فالتأويل عملا بالطاعة للّه ورسوله ، والتأويل علما بإرجاع محلّ التنازع والاختلاف إلى مظانّه من كتاب اللّه وسنّة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا « 1 » . والتأويل على ضربين : الأول : تأويل شرعي للنصّ ، والآخر : تأويل عقلي . وإذا علم أن المراد بالتأويل - على وجه العموم - ما يفيد في توجيه المعنى في دلالة الخطاب إلى طريقة القيام بالعمل وإنفاذه على وجهه الشرعيّ ؛ أو بما يخدم فكرة الموجّه للدلالة إلى مقاصده وغاياته . والأول منهما ؛ وهو التأويل الشرعي للنصّ ؛ وهو المطلوب من المكلّفين لفهم خطاب الشارع على قصد مراد اللّه سبحانه وتعالى ؛ ويثمر للمكلّف عند اللّه الأجر والثواب وتتحقّق العبادة في إنجازه . والثاني : هو التأويل العقلي ؛ فهو تحكّم في توجيه دلالة النصّ إلى ما يفيد غرض المكلّف وبما يخدم غاياته وأهدافه على قصد مراده البشري أو الشخصي أو المذهبيّ أو الطائفي ؛ وهذا ليس مرادا في عرف الشارع كما سيظهر إن شاء اللّه . وعلى ما يبدو أن هذا النوع من التأويل وقع به غالب المتكلّمين ، ولإظهار المعنى بما يبني فكرة التأويل ومفهومه في عقليّة المسلم نقول : خاطب اللّه الناس ، بكلامه في القرآن الكريم ، وبما أمر به رسوله سيّدنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبيّن لهم ما أجمل في الكتاب أو عمّ أو أطلق . وجاء الخطاب بلسان عربيّ مبين ، فصيح يحمل في دلالاته معاني تفهم منه من سياق النصّ مباشرة ، أو من مفردات ألفاظ النصّ ، أي تفهم المعاني المرادة بإدراك دلالة اللفظ باللّغة العربية ، أو بإدراك دلالة السّياق بمعهود العرب وعرف لسانهم وخطابهم ، أو تدرك المعاني من معرفة أسباب نزول النصّ وأسباب ورود البيان السّنّي للكتاب . فيدرك المرء دلالة النص من تفسير ألفاظه ومرامي معانيه على الواقع ، أو تأويله إلى ما يفيد العمل الفكري الذي
--> ( 1 ) النساء / 59 .