الطبراني

379

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً « 1 » أشفق المسلمون من مخالطتهم ؛ وكان كلّ من في حجره يتيم يجعل لليتيم بيتا وطعاما وخادما على حدة ؛ وكانوا لا يخالطون اليتامى في شيء « 2 » ، فشقّ ذلك عليهم ، فجاء عبد اللّه بن رواحة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : إنّ اللّه تعالى أنزل في أمر اليتامى ممّا أنزل من الشّدّة ، أفيصلح لنا يا رسول اللّه أن نخالطهم نستعير منهم الخادم والدّابّة ونشرب من لبن شاتهم ؟ فأنزل اللّه هذه الآية ) . ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ) أي عن مخالطة اليتامى ، ( قُلْ إِصْلاحٌ ) لأموالهم خير الأشياء إذ هو خير من الإنفاق . قوله تعالى : ( وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ) أي وإن تشاركوهم وتخلطوا أموالهم بأموالكم في نفقاتكم ومطاعمكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم فتصيبوا من أموالهم عوضا من قيامكم بأمورهم وتكافئوهم على ما يصيبون من أموالكم ، فهم إخوانكم في الدين . وقرأ طاووس : ( قل إصلاح لهم خير ) بمعنى الإصلاح لأموالهم من غير أجرة ولا أخذ عوض منهم خير وأعظم أجرا . وقرأ أبو مخلّد : ( فإخوانكم ) بالنصب ؛ أي تخالطوا إخوانكم . قوله تعالى : ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ) أي يعلم من كان غرضه بالمخالطة إصلاح أمر اليتامى ، ومن يكون غرضه إفساد أمرهم . قوله عزّ وجلّ : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ؛ أي لأثّمكم في مخالطتهم وضيّق عليكم . والعنت : الإثم ؛ ويسمى الفجور عنتا ؛ لما فيه من الإثم . وأصل العنت : الشدّة والمشقّة ؛ يقال : عقبة عنوت ؛ أي شاقّة كئود . وقال أبو عبيدة : ( معناه : ولو شاء اللّه لأهلككم ) . قوله عزّ وجلّ : إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 220 ) ؛ أي منيع غالب لا يمانع فيما يفعل من المساهل والمشاق ، ذو حكمة فيما أمركم به في أمر اليتامى وغير ذلك . واسم اليتيم إذا أطلق انصرف إلى الصغير الذي لا أب له . والعرب تسمي المنفرد يتيما ؛ يقولون : الدّرّة اليتيمة ؛ يريدون بذلك أنّها منفردة لا نظير لها .

--> ( 1 ) النساء / 10 . ( 2 ) في المخطوط : ( في شق ) .