الطبراني

375

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قال ابن عباس : ( فلمّا نزلت هذه الآية ترك بعض النّاس الخمر ، وقالوا : لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير . ولم يتركها بعضهم وقالوا : نأخذ منفعتها ونترك إثمها . وكانوا على ذلك حتّى أصاب رجل من الصّحابة خمرا فأنشأ منها ، فحضرت الصّلاة فقام يصلّي المغرب ، فقرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ « 1 » على غير وجهها ، قال : أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد . فنزل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ « 2 » ) . وكانوا يشربونها قبل الصلاة ؛ وكانوا يتناشدون الأشعار في شربها ويفتخرون ، فقال عمر : ( اللّهمّ بيّن لنا بيانا شافيا في الخمر ، فنزل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ إلى قوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ « 3 » ؛ فقال عمر : انتهينا يا رب ) « 4 » فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بإراقة الخمر حتى أمر بكسر الدّنان تغليظا وتشديدا . ومعنى الآية : يسألونك يا محمد عن الخمر والميسر ، قل فيهما إثم عظيم ؛ لأن الخمر يوقع العداوة والبغضاء ويحول بين الإنسان وبين عقله الذي يعرف به ما يجب عليه لخالقه . والقمار يورث العداوة أيضا ؛ فإنّ المقمور إذا رأى غيره قد فاز بماله من غير منفعة رجعت إليه ؛ بغضه وعاداه . وقيل : معنى قوله تعالى : ( قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ) أي وزر عظيم من المشاتمة والمخاصمة وقول الفحش والزور وزوال العقل ، والمنع من الصلاة ، واستحلال مال الغير بغير حقّ . وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما : ( قل فيهما إثم كثير ) بالثّاء ؛ وقرأ الباقون بالباء ؛ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ؛ لقوله تعالى : ( وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) ولقوله تعالى : إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً « 5 » .

--> ( 1 ) الكافرون / 1 . ( 2 ) النساء / 43 . ( 3 ) المائدة / 90 - 91 . ( 4 ) أخرجه أبو داود في السنن : كتاب الأشربة : الحديث ( 3670 ) . والترمذي في الجامع : أبواب تفسير القرآن : الحديث ( 3049 ) . والحاكم في المستدرك : كتاب الأشربة : الحديث ( 7306 ؛ وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . ( 5 ) النساء / 2 .