الطبراني

297

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قوله تعالى : فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً ؛ لما توعّد اللّه المبدّل ؛ خاف الأوصياء من التبديل ، فكانوا ينفذون وصية الميت وإن جار في وصيته واستغرقت كلّ المال ، فأنزل اللّه هذه الآية وبيّن أن الإثم في تبديل الحقّ بالباطل ، وإذا غيّر الوصيّ من باطل إلى حقّ على طريق الإصلاح فهو محسن فلا أثم عليه . ومعنى الآية : لمن علم من موص جنفا مثل قوله تعالى : إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما « 1 » أي إلا أن يعلما . وقوله تعالى : ( جَنَفاً ) أي ميلا عن الحقّ على جهة الخطأ . وقوله تعالى : ( أَوْ إِثْماً ) أي ميلا إلى جهة العمد ؛ بأن زاد في الوصية على الثّلث ؛ أو أقرّ بغير الواجب ؛ أو جحد حقّا عليه ، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ؛ أي الوصيّ بين ورثة الموصي وغرمائه ، بأن ردّ الوصية إلى المعروف الذي أمر اللّه به ، فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، في التبديل . والهاء والميم في قوله تعالى : ( بَيْنَهُمْ ) كناية عن الورثة ، والكناية تصحّ عن المعلوم وإن لم يكن مذكورا ، قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 182 ) ؛ يعني غفور رحيم إذ رخّص للوصي في خلاف الوصية على جهة الإصلاح . قرأ مجاهد وعطاء وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشيبة ونافع وحفص : ( موص ) بالتخفيف ، وقرأ الباقون : ( موصّ ) بالتشديد . وقوله تعالى : ( جَنَفاً ) أي جورا وعدولا عن الحق ، والجنف : الميل في الكلام وفي الأمور كلّها . وقرأ عليّ كرّم اللّه وجهه : ( حيفا ) بالحاء والياء ؛ أي ظلما . قال الفراء : ( الفرق بين الجنف والحيف : أنّ الجنف عدول عن الشّيء ، والحيف حمل على الشّيء حتّى ينتقصه ، وعلى الرّجل حتّى ينتقص حقّه ) . قال المفسّرون : الجنف الخطأ ، والإثم العمد . ومعنى الآية : من حضر مريضا وهو يوصي ، فخاف أن يخطئ في وصيّته ليفعل ما ليس له فعله ، أو يتعمّد جورا فيها فيأمر بما ليس له ، فلا حرج على من حضره أن يصلح بينه وبين ورثته ؛ بأن يأمره بالعدل في وصيته وينهاه عن الجنف ؛ فينظر للموصي

--> ( 1 ) سورة البقرة / 229 .