الطبراني
294
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ؛ أي أن الصلح عن القصاص على شيء من الدية أو غير ذلك تسهيل من ربكم عليكم ، رحمة رحمكم اللّه بها ؛ وذلك أن اللّه كتب على أهل التوراة في النفس والجراح أن يقيدوا ولا يأخذوا الدية ولا يعفوا ، وعلى أهل الإنجيل أن يعفوا ولا يقيدوا ولا يأخذوا الدية ، فخيّر اللّه هذه الأمة بين القصاص والدية والعفو . قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 178 ) ؛ أي إذا قتل الوليّ قاتل وليه بعد أخذ الدية منه فله عذاب أليم : القتل في الدنيا والنار في الآخرة ، ومن قتل بعد أخذ الدية يقتل ولا يعفى عنه ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ لا أعافي رجلا قتل بعد أخذ الدّية ] « 1 » . وفي هذه الآية دليل على أن القاتل لا يصير كافرا ولا يخلد في النار ؛ لأن اللّه تعالى خاطبهم فقال : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ ) وقال في آخر الآية : ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ) فسمّى القاتل أخا للمقتول ، وقال تعالى : ( ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ) وهما يلحقان المؤمنين دون الكفار . ويروى أن مسروقا : ( سئل هل للقاتل توبة ؟ فقال : لا أغلق بابا فتحه اللّه ) . قوله عزّ وجلّ : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ ؛ يعني أن الذي يريد قتل غيره إذا علم أنه إذا قتل قتل ؛ أمسك عن القتل وارتدع ؛ فيكون ذلك حياة له وحياة للذي همّ بقتله ، وفي بقائهما بقاء لمن يتعصب لهما ؛ لأن الفتنة تنبئ بالقتل ؛ فتؤدي إلى المحاربة التي لا منتهى لها . وقيل : أراد الآخرة بذلك لا من اقتصّ منه في الدنيا حيّ في الآخرة ، وإذا لم يقتصّ منه في الدنيا اقتص منه في الآخرة ؛ فمعنى الحياة سلامته في الآخرة . قوله تعالى : ( يا أُولِي الْأَلْبابِ ) أي يا ذوي العقول ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 179 ) ؛ أي لكي تتقوا القتل مخافة القصاص .
--> ( 1 ) رواه أبو داود في السنن : كتاب الديات : باب من قتل بعد أخذ الدية : الحديث ( 4507 ) عن جابر بن عبد اللّه . والإمام أحمد في المسند : ج 3 ص 363 .