الطبراني

286

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

ومعنى الآية : فمن أحرج فالتجأ إلى ذلك بالمجاعة والإكراه ، ( غَيْرَ باغٍ ) أي غير طالب لذلك ؛ أي غير طالب تلذّذ ، ( وَلا عادٍ ) أي ولا متجاوز قدر ما يسدّ به رمقه ، وقوله عزّ وجلّ : ( غَيْرَ باغٍ ) نصب ( غَيْرَ ) على الحال ، وقيل : على الاستثناء ؛ وإذا رأيت ( غير ) لا يقع في موضعها ( إلّا ) فهي حال ؛ وإذا يقع في موضعها ( إلّا ) فهي استثناء ؛ فقس على هذا . وقال بعض المفسرين : على معنى ( غَيْرَ باغٍ ) أي غير قاطع للطريق ، ( وَلا عادٍ ) أي ولا مفارق للأئمة ولا مشاقّ للأمّة خارج عليهم بسيفه ، ومن خرج يخيف السبيل ؛ أو يفسد في الأرض ؛ أو آبق من سيده ؛ أو فرّ من غريمه ؛ أو خرج عاصيا بأيّ وجه كان فاضطرّ إلى الميتة ؛ لم يجز أكلها ، واضطرّ إلى الخمر عند العطش ؛ لم يحلّ له شربها ، وهذا قول مجاهد وابن جبير والكلبيّ ، وبهذا التأويل أخذ الشافعيّ رحمه اللّه ، وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما اللّه : « يجوز ذلك لهم ولو كانوا بغاة خارجين على المسلمين كما يجوز لأهل العدل » . قال ابن عباس والحسن ومسروق : ( تفسير قوله : ( غَيْرَ باغٍ ) أي غير باغ في الميتة ، ولا عاد في الأكل ) . وقال مقاتل : ( أي غير باغ ومستحلّ ، ولا عاد أي ولا متزوّد منها ) . وقال السديّ : ( غير باغ في أكله بشهوة وتلذّذ ، ولا عاد أي لا يأكل حتّى يشبع منها ، ولكن يأكل منها ما يمسك رمقه ) . وقال بعضهم : غير باغ ؛ أي متجاوز للقدر الذي يحل له ، ولا عاد ؛ أي لا يقصر فيها فيما يحل له منها ؛ فلا يأكله . قال مسروق : ( بلغني أنّه من اضطرّ إلى الميتة فلم يأكلها حتّى مات دخل النّار ) . واختلف الفقهاء في حدّ الاضطرار إلى الميتة فيما يحلّ للمضطر أكله من الميتة ، فقال بعضهم : إنه لا يجوز له الأكل إلا عند خوف التلف في آخر الرمق وهو الصحيح ، وقال بعضهم : إذا كان يضعف عن الفرائض . وقال بعضهم : إذا كان بحيث لو دخل إلى سوق لا ينظر إلى شيء سوى المطعوم . وأما مقدار ما يأكل عند الضرورة فقال أبو حنيفة : ( لا يأكل إلا ما يسدّ رمقه ) ، وهو أحد قولي الشافعي . وقال مالك : ( يأكل حتى يشبع ويتزوّد منها ، فإن وجد شيئا مباحا طرحها ) . وقال مقاتل : ( لا يزيد على ثلاثة لقم ) .