الطبراني

262

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

إلى السّماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحبّ من أمر القبلة ، فأنزل اللّه تعالى : ( قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ) أي فلنلحقك إلى قبلة تحبّها وتهواها ، ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) أي نحوه وقصده . وهو نصب على الظرف . وقيل : شطر الشيء نصفه ، فكأن اللّه أمره أن يحوّل وجهه إلى نصف المسجد الحرام ؛ والكعبة في النصف منه من كلّ جهة . قوله تعالى : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ؛ أي أينما كنتم من برّ أو بحر أو جبل أو سهل أو شرق أو غرب فولوا وجوهكم نحوه . فحولت القبلة في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين . وقال مجاهد : ( نزلت الآية ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مسجد بني سلمة وقد صلّى بأصحابه ركعتين من الظّهر ، فتحوّل في الصّلاة فاستقبل الميزاب فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين . فلمّا حوّلت القبلة إلى الكعبة ؛ قالت اليهود : يا محمّد ما أمرت بهذا وما هو إلّا شيء تبتدعه من نفسك ، فتارة تصلّي إلى بيت المقدس ، وتارة تصلّي إلى الكعبة ، فلو ثبتّ على قبلتنا لكنّا نرجو أن تكون صاحبنا الّذي كنّا ننتظره ، فأنزل اللّه تعالى قوله : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، يعني أمر الكعبة وأنّها قبلة إبراهيم ، أي وأنّ اليهود والنصارى ليعلمون أنّ استقبال الكعبة حقّ من ربهم ؛ لأنّ نعت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في التوراة أن يكون صاحب القبلتين ، ثم هدّدهم فقال عزّ وجلّ : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 144 ) ؛ أي لا يخفى عليه جحودهم . قوله تعالى : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ؛ يعني يهود المدينة ونصارى نجران ، فقالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ائتنا بآية كما أتى الأنبياء قبلك ، فأنزل اللّه هذه الآية . وقوله ( ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ) يعني الكعبة ، وقوله : وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ؛ أي وما أنت بمصلّ إلى قبلتهم بعد التحويل ؛ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ؛ لأن اليهود تستقبل بيت المقدس والنصارى تستقبل المشرق .