الطبراني
257
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
الباقون بالياء إخبارا عن اليهود والنصارى أنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى . ومعنى الآية : أتحاجّوننا بقولكم كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ، وقولكم : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، أم بقولكم : إنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى ، مع علمكم بخلاف ذلك . وهذا استفهام بمعنى التوبيخ ، فإنّهم كانوا يزعمون أنّ الدين الصحيح هو اليهودية والنصرانية ؛ وأنّ هؤلاء الأنبياء تمسّكوا بها . يقول اللّه تعالى : ( قُلْ ) لهم يا محمد : ( أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ) فإنّ اللّه قد أخبر أنّهم كانوا مسلمين ، وأنّهم لم يكونوا يهودا ولا نصارى ، فقالوا : ما هو كما قلت ، وإنا على دين إبراهيم ، وما أنت برسول اللّه ؛ ولا على دينه . فأنزل اللّه تعالى قوله تعالى : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ) يعني علماء اليهود والنصارى ؛ لأنّهم علموا أنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا حنفاء مسلمين ؛ وأنّ رسالة نبيّنا حقّ بيّنه اللّه في التوراة والإنجيل ، فكتموه حسدا وطلبا للرئاسة . قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 140 ) ؛ يعني من كتمان نعت محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وصفته ؛ يجازيكم عليه في الآخرة . قوله تعالى : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 141 ) ؛ قد تقدّم تفسيرها . فائدة التكرار : أنّ القرآن أنزل على لغة العرب ، ومن عادتهم ذكر الجواب الواحد في أوقات مختلفة لأغراض مختلفة ؛ يعدّون ذلك فصاحة . وإنّما يعاب تكرار الكلام في مجلس واحد لغرض واحد . قوله تعالى : * سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ؛ أي الجهّال : ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ؛ أي ما صرفهم وحوّلهم عن قبلتهم ؛ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ؛ يعني بيت المقدس . نزلت في اليهود ومشركي مكّة ومنافقي المدينة ؛ طعنوا في تحويل القبلة ، وقال مشركو مكة : قد تردّد على محمد أمره ، واشتاق إلى مولده ومولد آبائه ؛ وقد توجّه نحو قبلتهم ؛ وهو راجع إلى دينكم عاجلا . فقال اللّه تعالى : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 142 ) ؛ أي للّه المشرق والمغرب ملكا وخلقا ؛ والخلق عبيد يحوّلهم كيف يشاء .