الطبراني

227

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

ما عشت ) فقالت اليهود : أمّا هذا فقد صبأ . وقال حذيفة : ( وأمّا أنا فقد رضيت باللّه ربّا وبمحمّد نبيّا وبالاسلام دينا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا ) . ثمّ أتيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأخبراه بذلك فقال : [ أصبتما الخير وأفلحتما ] فأنزل اللّه تعالى ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ ) يا معشر المؤمنين ( مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً ) ونصب كفارا بالردّ . وقيل : بالحال . وقوله تعالى : حَسَداً ، ) أي حسدا لكم لتشريف اللّه إياكم عليهم بوضع النبوّة فيكم بعد ما كان في بني إسرائيل . وانتصب ( حَسَداً ) ) على المصدر ؛ أي يحسدونكم حسدا . وقيل : بنزع الخافض ، تقديره : للحسد . قوله تعالى : مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ، راجع إلى ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ) لا إلى قوله ( حسدا ) لأن حسد الإنسان لا يكون إلا من قبله ؛ فكأنه تعالى بيّن أن مودّتهم ردّكم إلى الكفر ؛ لا لأنّ دينهم يأمرهم ذلك ، ولكن ذلك من عند أنفسهم ، مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ، في التوراة وسائر الكتب : أن محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم صدق ، وأن دينه حقّ . وقيل : معنى ( مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ) أي لم يأمرهم اللّه بذلك . قوله تعالى : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا ؛ أي اتركوهم وأعرضوا عنهم ، حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ؛ أي حتى يأذن اللّه عزّ وجلّ لكم في مقاتلتهم وسبيهم وينصركم عليهم . وقد جاء اللّه تعالى بأمره حين استقرّت آيات النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ومعجزاته ولم يؤمنوا ؛ أمر اللّه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بقتالهم بقوله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ . . الآية ، إلى قوله : وَهُمْ صاغِرُونَ « 1 » وغير ذلك من الآيات ، فقتلوا بني قريظة ؛ وأجلوا بني النضير . وقيل : معناه : ( حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) : قيام الساعة ويجازيهم بأعمالهم . إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 109 ) . قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ، لمّا أمر اللّه تعالى بالصفح عن اليهود ، علم أن ذلك يشقّ على المسلمين ، فأمرهم اللّه بالاستعانة على ذلك بالصلاة والزّكاة كما قال اللّه تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ « 2 » .

--> ( 1 ) التوبة / 29 : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ( 2 ) البقرة / 45 .