الطبراني
209
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ ؛ أي قل لهم يا محمّد : بشرّ ما يأمركم به إيمانكم من عبادة العجل من دون اللّه ؛ أي بشرّ الإيمان إيمان يأمركم بالكفر . وقوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 93 ) ؛ أي إن كنتم مؤمنين بزعمكم ؛ لأنّهم قالوا : نؤمن بما أنزل علينا ، فكذّبهم اللّه عزّ وجلّ . قوله : قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ ؛ هذا جواب قول اليهود : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى « 1 » و لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً « 2 » . وقولهم : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ « 3 » فكذّبهم اللّه وألزمهم الحجة فقال : قل لهم يا محمّد : ( إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ) ؛ يعني الجنّة ؛ خالِصَةً ؛ أي خاصّة . وقيل : صافية ، مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ ؛ أي فاسألوا اللّه الموت ؛ فإنّ من كان بهذه الصفة فالموت خير له ولا سبيل إلى دخول الجنّة إلا بعد الموت . وقوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 94 ) ؛ أي في قولكم ؛ فقولوا : اللهم أمتنا . فقال لهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : بعد نزول هذه الآية : [ إن كنتم صادقين في مقالتكم فقولوا : اللّهمّ أمتنا ، فو الّذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلّا غصّ بريقه فمات مكانه ] فأبوا أن يفعلوا ذلك « 4 » . قال ابن عبّاس : عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ لو قالوا ذلك ما بقي على وجه الأرض يهوديّ إلّا مات ] « 5 » فلمّا لم يقولوا ذلك أنزل اللّه عزّ وجلّ قوله تعالى : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ؛ أي أسلفت من المعاصي وكتمان صفة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . وقوله : ( أبدا ) يعني هي مدّة العمر . وأما بعد ذلك فإنّهم يتمنّونه في الآخرة وقت مشاهدة العذاب . وإنّما أضاف إلى الأيدي ؛ لأنّ أكثر المعاصي تكون باليد . وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 ) .
--> ( 1 ) البقرة / 111 . ( 2 ) البقرة / 80 . ( 3 ) المائدة / 18 . ( 4 ) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة : ج 6 ص 274 بإسناده عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ؛ طبعة دار الكتب العلمية ، تحقيق د . عبد المعطي قلعجي . ( 5 ) في الدر المنثور : ج 1 ص 220 ؛ قال السيوطي : « أخرجه ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس » . وأخرجه الطبري في جامع البيان : النص ( 1298 ) .