الطبراني

205

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

فلما سمعت اليهود بذكر عيسى ؛ قالوا : يا محمّد لا مثل عيسى كما تزعم عملت ؛ ولا كما تقصّ علينا من الأنبياء فعلت ، فائتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقا . فقال اللّه تعالى : أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ؛ أي أفكلّما جاءكم أيّها اليهود رسول بما لا يوافق هواكم ( اسْتَكْبَرْتُمْ ) أي تكبّرتم وتعظّمتم عن الإيمان به ، فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ ؛ مثل عيسى ومحمّد عليهما الصّلاة والسّلام ، وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ( 87 ) ، مثل زكريّا ويحيى وسائر من قتلوا من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام . والألف في ( أَ فَكُلَّما ) ألف استفهام معناه التوبيخ والزّجر . قوله تعالى : وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ؛ أي قالت اليهود : قلوبنا ممنوعة من القبول ؛ فردّ اللّه عليهم بقوله : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ؛ أي أنّهم ألفوا كفرهم فاشتدّ إعجابهم به ومحبّتهم له فمنعهم اللّه الألطاف والفوائد التي منح اللّه المؤمنين مجازاة لهم على كفرهم . قرأ ابن محيصن : ( غلف ) بضمّ اللام . وقرأ الباقون بجزمها . فمن خفّف فهو جمع الأغلف مثل أصفر وصفر ؛ وهو الذي عليه غشاوة وغطاء بمنزلة الأغلف غير المختون ؛ والأقلف مثله ، أي عليها غشاوة فلا تعي ولا تفقه ما تقول يا محمّد ! قاله قتادة ومجاهد ؛ نظيره قوله تعالى : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ « 1 » . ومن ثقّل ( غلّف ) فهو جمع غلاف مثل : حجاب وحجب ؛ وكتاب وكتب ، ومعناه : قلوبنا أوعية لكلّ علم ؛ فلا نحتاج إلى علمك وكتابك ؛ فهي لا تسمع حديثا إلّا وعته ؛ إلّا حديثك لا تعيه وكتابك ؛ قاله عطاء وابن عباس . وقال الكلبيّ : ( يريدون أوعية لكلّ علم فهي لا تسمع حديثا إلّا وعته ؛ إلّا حديثك لا تعيه ولا تعقله . فلو كان فيه خير لفهمته ولوعته ) قال اللّه تعالى : ( بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ) وأصل اللّعن : الطرد والإبعاد ؛ فمعناه : طردهم اللّه ؛ أي أبعدهم من كلّ خير . وقال النضر بن شميل : ( الملعون : للمخزى وللملك ) « 2 » .

--> ( 1 ) فصلت / 5 . ( 2 ) لعن : ( أبيت اللعن ) : كلمة كانت العرب تحيّي بها ملوكها في الجاهلية ، تقول للملك : أبيت -