الطبراني
203
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وقال : ( ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ) وفي الآية تقديم وتأخير ؛ تقديره : ( وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ ، تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ) وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ ( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ ) . وكان اللّه تعالى أخذ عليهم أربعة عهود : ترك القتل ؛ وترك الإخراج ؛ وترك المظاهرة عليهم من أعدائهم ؛ وفداء أسرائهم . فأعرضوا عن كلّ ما أمر اللّه تعالى به ؛ إلّا الفداء . فقال اللّه تعالى : أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ؛ وإيمانهم الفداء ؛ وكفرهم القتل والإخراج والمظاهرة . وقال مجاهد : ( يقول : إن وجدته في يد غيرك فديته ؛ وأنت تقتله بيدك ؟ ! ) « 1 » . قوله تعالى : فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ؛ أي فما جزاء من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض إلا ذلّ وهوان في الدّنيا . يعني بالخزي : قتل بني قريظة وسبيهم وإجلاء بنو النضير عن منازلهم . يقال في السّوء والشرّ : خزي يخزى خزيا . وفي الحياء : خزى يخزي خزاية . قوله تعالى : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ ؛ وهو عذاب النار . وقرأ السلميّ والحسن وأبو رجاء : ( تردّون ) بالتاء . كقوله تعالى : ( أَ فَتُؤْمِنُونَ ) . قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 85 ) ؛ « قرأ » بالياء مدنيّ ومكي وأبو بكر ويعقوب . والباقون بالتاء . قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ؛ أي استبدلوا الدّنيا بالآخرة ، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ؛ أي لا يهوّن ، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 86 ) ؛ من عذاب اللّه . قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ، أي أعطينا موسى التوراة جملة واحدة ، وأردفنا وأتبعنا من بعده رسلا ؛ رسولا من بعد رسول ؛ يقال : قفى أثره وقفى غيره في التعدية مأخوذ من قفاء الإنسان ؛ قال اللّه
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص ( 1218 ) .