الطبراني
185
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وقال ابن عبّاس : ( كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل ؛ وكان له عجلة ، فأتى بالعجلة إلى غيضة ؛ وقال : اللّهمّ إنّي أستودعك هذه العجلة لابني حتّى يكبر . ومات الرّجل فنشأت العجلة في الغيضة وصارت عوانا ؛ وكانت تهرب من كلّ من رآها ، فلمّا كبر الابن وكان بارّا بأمّه ، كان يقسم اللّيلة أثلاثا ؛ يصلّي ثلثا ؛ وينام ثلثا ؛ ويجلس عند رأس أمّه ثلثا ، فإذا أصبح ذهب يحتطب على ظهره ويبيعه في السّوق ، ثمّ يتصدّق بثلثه ؛ ويأكل ثلثه ؛ ويعطي أمّه ثلثه . فقالت له أمّه يوما : إنّ أباك ورّثك عجلة ، وذهب بها إلى غيضة كذا واستودعها اللّه ، فانطلق إليها وادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب أن يردّها عليك ؛ فإنّ من علامتها أنّك إذا نظرت إليها يخيّل إليك أنّ شعاع الشّمس يخرج من جلدها . وكانت تسمّى المذهّبة لحسنها وصفرتها وصفاء لونها . فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى ؛ فصاح بها وقال : أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب ، فأقبلت تسعى حتّى قامت بين يديه ؛ فقبض على عنقها وقادها . فتكلّمت البقرة بإذن اللّه تعالى ؛ وقالت : أيّها الفتى البارّ بوالديه ! اركبني فإنّ ذلك أهون عليك . قال : إنّ أمّي لم تأمرني بذلك ! ولكن قالت : قودها بعنقها ، فقالت : وحقّ إله بني إسرائيل ؛ لو ركبتني ما كنت تقدر عليّ أبدا ، فانطلق فإنّك لو أمرت الجبل أن ينقطع من أصله وينطلق معك لفعل لبرّك بأمّك ! فجاء بها إلى أمّه فقالت له : يا بنيّ إنّك فقير ؛ وشقّ عليك الاحتطاب بالنّهار ؛ والقيام باللّيل ، فاذهب وبع هذه البقرة فخذ ثمنها . فقال : بكم ؟ فقالت : بثلاثة دنانير ؛ ولا تبعها بغير رضاي ومشورتي ! وكان ثمن البقرة في ذلك الوقت ثلاثة دنانير . فانطلق بها إلى السّوق ، فبعث اللّه ملكا في صورة بشر ليختبر كيف برّ الفتى بوالديه ! فقال الملك : بكم تبيع هذه البقرة ؟ قال : بثلاثة دنانير ؛ وأشرط عليك رضى والدتي . فقال الملك : بستّة دنانير ؛ ولا تستأذن أمّك . فقال : لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلّا برضاء والدتي ! فردّها إلى أمّه . فقالت : بعها بستّة دنانير على رضى منّي . فانطلق بها وقال للملك : إنّها أمرتني أن لا أنقصها من ستّة دنانير على أن أستأمرها . فقال الملك : أنا أعطيك اثنى عشر على أن لا تستأمرها ، فأبى ، ورجع إلى أمّه