الطبراني

176

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قوله تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ ؛ أي قلنا : كلوا من المنّ والسلوى واشربوا من الماء ؛ فهذا كله من رزق اللّه الذي يأتيكم به بلا مشقّة ولا مؤنة ولا تعب . قوله تعالى : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 60 ) ، العيث والعثواء : شدّة الفساد ؛ وإنّما جمع بين العيث والفساد وإن كان معناهما واحدا تأكيدا كما يقال : كذب وزور ؛ وظلم وجور ؛ أي قيل لهم : كلوا واشربوا ولا تسرعوا إلى الفساد في الأرض عاثيين . والدليل على أن العيث هو الفساد قول الشاعر « 1 » : لولا الحياء وأنّ رأسي قد عثى * فيه المشيب لزرت أمّ القاسم قوله عزّ وجلّ : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ؛ وذلك أنّهم وحموا « 2 » المنّ والسّلوى وملّوهما . قال الحسن : كانوا أناسا أهل كراش « 3 » ؛ كرّاث ؛ وأبصال ؛ وأعداس ؛ ففزعوا إلى عكرهم عكر السّوء ؛ واشتاقت طبائعهم إلى ما جرت عليه عاداتهم ؛ فقالوا : ( لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ) يعنون به المنّ والسلوى . وإنما قال : ( طَعامٍ واحِدٍ ) وهما اثنان ؛ لأن العرب تعبر عن الاثنين بلفظ الواحد ؛ وعن الواحد بلفظ الاثنين ؛ كقوله تعالى : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ « 4 » وإنما يخرج من الملح دون العذب . وقال عبد الرحمن بن يزيد : ( كانوا يعجنون المنّ والسّلوى ليصير طعاما واحدا فيأكلونه ) . قوله تعالى : فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها ، قرأ يحيى بن وثّاب وطلحة بن مصرف : ( وقثائها ) بضم القاف ، وهي

--> ( 1 ) ابن بري ينشد لعدي ، هو ابن الرقاع . ينظر ديوانه : ص 99 . ولسان العرب : ( جسم ) . ( 2 ) الوحم : شدّة شهوة الحبلى لشيء تأكله ، ثم يقال لكلّ من أفرطت شهوته في شيء . ويقال : وحمى لمن يطلب شيئا لا حاجة له فيه من حرصه . لسان العرب : مادة ( وحم ) . ( 3 ) الكرش - بالفتح والكسر - : هو كل مجترّ ، وكرشاء : كثيرة اللحم ، واستكرش الصبيّ : عظمت كرشه ، واستكرش الجدي : حين يعظم بطنه ويشتدّ أكله . ( 4 ) الرحمن / 22 .